الرئيسية/آراء/الثلج بمعنى الدفء
آراء

الثلج بمعنى الدفء

لقطة الشاشة 2025-01-06 في 11.02.16 م
📸لقطة الشاشة 2025-01-06 في 11.02.16 م
اليوم ميديا

سمير عطا الله

الذين في مثل سني تتداخل متغيراتهم البيولوجية بتحولاتهم النفسية. يقلّ عدد أعدائهم، وخصومهم، ويقابل هذه النعمة القلة. كذلك في عدد الأصدقاء والمعارف لأن جَلَده الكبير يضعف، وتسرّع الكبار لا يمهل. ومن جملة، أو بالأحرى في طليعة خصوم السن، البرد شعوراً ونازلةً، وقد تجنبتُ في الآونة الأخيرة زيارة أحب الأمكنة إلى قلبي، أي لندن، لأن المناخ تغيّر في كل مكان إلا في مدينة الملكة إليزابيث. فالشمس لا تزال تشرق في العاشرة صباحاً، وتطفل، أي تميل إلى المغيب، في الحادية عشرة، وعند الضحى تكون قد هاجرت إلى منقلب آخر لا نستطيع اللحاق به.

أعرف تماماً أن اللجوء إلى الشمس على مدى العام بطوله، وعكس الحياة العربية وجذورها، وما حملت سنواتها من القيظ، والحر، والصحاري اللانهائية. تشهّى العرب وتمنّوا لطف الفيء وإطالة الظلال. وجعلوا من الثلج ذروة المديح والأماني. فإذا أراد أحدنا أن يصفَ فرحاً لا يعادله فرح، قال سمعت اليوم نبأً أثلج صدري. مع العلم أن العرب نادراً ما عرفت الثلج حتى في جبالها، ومع ذلك قدّمته على ملاطفتها للقمر، الذي هو الوعد الدائم بالحرارة العادلة، ورمز الشعور بالنور والضوء معاً، بينما الشمس تنير بلا حساب وتحرق أيضاً بلا حساب.

أمضيتُ معظم السنة الفائتة لاجئاً مناخياً في دبي، وكانت الرطوبة الشديدة تكثر أحياناً معاني اللجوء، غير أنها ظلّت، في العموم، أرحم من مغيبات لندن، التي لا يصح فيها القول الشائع «وضح النهار»، لأن نهاراتها جميلة وغائمة معاً.

تقول العرب فيما تقول: «حديثها أثلج كبدي»، أو «نزل على فؤادي برداً وسلاماً». وفي باب الترحم «برّد الله ضريحه وأمطره شآبيب الرحمة». وفي الذكريات الجميلة يتأوه أحدنا قائلاً: «سقى الله تلك الأيام». وكثُرت حتى فاضت عند الشعراء التغزل بالظل والمنهل والمورد والينبوع والندى. غني عن التذكير بأن شعراء الفرنج والقارات الباردة تشهوا الدفء والشمس التي لا تغيب، وانطلقت شعوبهم من مواطنها إلى مواطن الآخرين طلباً لدرجتين أو ثلاث إضافية على ميزان فهرنهايت. وهذا ما حدث بالنسبة إلى مئات الآلاف من الأوروبيين الذين استوطنوا دبي، التي لا تقتصر ميزاتها بالتأكيد على أشهر الدفء.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
سمير عطا الله الذين في مثل سني تتداخل متغيراتهم البيولوجية بتحولاتهم النفسية. يقلّ عدد أعدائهم، وخصومهم، ويقابل هذه النعمة القلة. كذلك في عدد الأصدقاء والمعارف لأن جَلَده الكبير يضعف، وتسرّع الكبار لا يمهل. ومن جملة، أو بالأحرى في طليعة خصوم السن، البرد شعوراً ونازلةً، وقد تجنبتُ في الآونة الأخيرة زيارة أحب الأمكنة إلى قلبي، أي
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة