الرئيسية/آراء/ليبيا: لا نهاية للنفق
آراء

ليبيا: لا نهاية للنفق

لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
📸لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
اليوم ميديا

جمعة بوكليب

مدينةٌ ليبية تقعُ على بُعدِ 42 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، اسمها «الزاوية»، يعيش فيها أكثر من نصف مليون نسمة، وتعدُّ مدينة مخطوفة، وسكانها رهائن في أيدي عصابات تهريب البشر والوقود والمخدرات. وهي مدينة زراعية ساحلية، بها مرافئ صغيرة لمن يعملون بمهنة صيد السمك، وبها مصفاة نفط. الوضع الأمني بالمدينة يشبه، إلى حد بعيد، الأوضاع الأمنية لكثير من مدن بلدان أميركا الجنوبية المخطوفة من قبل عصابات مهربي المخدرات.

خلال الأسبوع الماضي، ونتيجة لمعاناة سكانها، وافتقادها للأمن والأمان نتيجة تعدد كوارث الاقتتال بين مختلف العصابات على الغنائم والنفوذ والمواقع فيها، وما تسببت فيه ذلك من إزهاق لأرواح الأبرياء، وتدمير للممتلكات، قرّر المجلس الرئاسي، وحكومة طرابلس تجريد حملة عسكرية للقضاء على العصابات.

قبل تحرك القوات، قائد الحملة العسكرية الموكل بالمهمة، ولطمأنة أهلها، التقى بأعيان المدينة ومشايخها وأبلغهم بهدف الحملة. وتناقلت الخبر وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

اللافت للاهتمام، ومن واقع الخبرة والتجارب، أن حملات المداهمة للعصابات من هذا النوع تتم في سرّية كاملة، وتعتمد على عامل المفاجأة. وبالتالي، نشر الخبر كان بمثابة تحذير وتنبيه للعصابات بأخذ الحيطة. وكأن العصابات الإجرامية أعطيت قصداً الفرصة لتفادي المواجهة، والقيام بكل التدابير اللازمة والكفيلة بعدم تعرّض أفرادها وممتلكاتها لأي خسائر!

وبناء على ذلك، كان التوقع السائد هو أن القوات المغيرة ستعود أدراجها مثلما جاءت، أي خاوية الوفاض، ولن تحقق الهدف المرجو والمأمول. وحتى الآن، ما زالت الحملة مستمرة، وفق ما يصدر من بيانات، من دون ما يؤكد على إنجاز المهمة بتلك المواقع المنتشرة في المدينة، واعتقال أفراد العصابات. وكأن الحملة لا تتعدى أن تكون فرقعة إعلامية، بهدف تحويل أنظار المواطنين من قضايا أخرى ملتهبة.

تهريب الوقود المستورد من الخارج تجارة رائجة ورابحة، كونه يباع بسعر زهيد للمواطن؛ لأنّه مدعوم من الخزينة الليبية، ويكلفها سنوياً أكثر من 10 مليارات دولار أميركي. عصابات التهريب الليبية تقوم بعملياتها بالتنسيق والتعاون مع عصابات من تونس وإيطاليا ومالطا. البنزين الليبي المستورد، يجده المرء يباع على قارعة الطريق البري بمجرد تجاوز الحدود الليبية إلى تونس. وتقوم قوارب صيد كبيرة مجهزة بخزانات بتهريبه عبر البحر إلى مالطا. عمليات البيع تتم في منتصف المسافة البحرية الفاصلة بين البلدين.

القائمون على عمليات تهريب النفط في الجانب الليبي، في مدينة الزاوية، ليسوا بخافين على أحد. وهم معروفون لجميع الأجهزة الأمنية في المدينة وخارجها، لكن لا أحد يستطيع الاقتراب منهم، لأسباب معروفة، أبرزها تورط أسماء كبيرة في العمليات.

الأسوأ من ذلك أن حكومة طرابلس، في السنوات الأخيرة، دأبت على منح تراخيص فتح محطات بيع وقود من دون حساب أو رقيب، وبأعداد مريبة، وفي مناطق شبه خالية من السكان، لا تبعد عن الحدود التونسية سوى كيلومترات قليلة. وكأنها بذلك تسهل على المهربين عملياتهم.

ولأن الحكومة ليس في مستطاعها التعرض لقادة عصابات تهريب الوقود، عبر الحدود البحرية والبرية، لجأت إلى تبنّي سياسة قديمة ومجرّبة تعرف باسم سياسة «معاقبة الحمار المربوط»، بدل معاقبة الحمار السائب الذي يعيث في حقول الزرع فساداً.

المقصود بالحمار المربوط في السياسة المتبناة هو المواطن المسكين. والعقاب يأخذُ مناحي عدة، أكثرها شيوعاً تحميله دفع قيمة البنزين المُهرّب، أي بالسعي إلى رفع سعر بيعه في محطات الوقود. وبذلك كفى الله الحكومة شرّ الدخول في مواجهات عسكرية مع جماعات مسلحة، تابعة للدولة على الورق فقط.

النقاش والجدال لا يتوقفان، حول الكيفية التي يتم بها التعامل مع القضية. هل برفع سعر لتر البنزين في المحطات، أم بوقف دعم الحكومة للبنزين المستورد، وتعويض المواطنين مالياً ليتم القضاء على التهريب؟

من الواضح أن وقف الدعم الحكومي عن البنزين المستورد ليس في أجندة الأجهزة الحكومية ذات الصلة، لوجود رفض شعبي لا يمكن تجاهله. ولذلك، لا يبقى أمام المسؤولين من حلول سوى اللجوء إلى الحل الأسهل، وهو معاقبة المواطن، بتحميله مالياً عبئاً إضافياً يزيد في ثقل أحماله، ويفاقم من معاناته، ويزيد من تنغيص آلامه وسوء أحواله، في بلد ينام ويصحو فوق بحيرة نفط، ويعدُّ من أغنى الدول في القارة الأفريقية.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
جمعة بوكليب مدينةٌ ليبية تقعُ على بُعدِ 42 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، اسمها «الزاوية»، يعيش فيها أكثر من نصف مليون نسمة، وتعدُّ مدينة مخطوفة، وسكانها رهائن في أيدي عصابات تهريب البشر والوقود والمخدرات. وهي مدينة زراعية ساحلية، بها مرافئ صغيرة لمن يعملون بمهنة صيد السمك، وبها مصفاة نفط. الوضع الأمني بالمدينة يشبه، إلى حد بعيد،
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة