الرئيسية/آراء/القسوة وبذور الانتقام
آراء

القسوة وبذور الانتقام

لقطة الشاشة 2025-01-14 في 12.24.12 ص
📸لقطة الشاشة 2025-01-14 في 12.24.12 ص
اليوم ميديا

د. محمد النغيمش

بعد أن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها، أَجْبَرَ المنتصرون ألمانيا على توقيع معاهدة فرساي، التي قبلت فيها بالمسؤولية الكاملة للحرب، وخسرت أراضيها وأسلحتها ومستعمراتها، وقُلص جيشها الألماني إلى 100 ألف جندي. منذ ذلك الحين، لم نسمع قط أن ألمانيا دخلت طرفاً في حرب أو استفزت أحداً. غير أن معاهدة فرساي التي عدت قاسية جداً، قد زرعت بذور الاستياء، وأججت دوافع الانتقام في ألمانيا؛ ما مهَّد الطريق لصعود الحزب النازي بقيادة هتلر الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية. وصف كثيرون في ألمانيا المعاهدة بأنها «مهينة»؛ ولهذا عندما تريد معاقبة خصمك افعل ذلك بحكمة حتى لا تدفعه إلى جنون الانتقام.

القسوة هي استخدام العنف أو الإساءة على نحو يقصد به إيذاء الآخرين، جسدياً أو نفسياً. ومع ذلك، فهي ليست مجرد صفة فردية، بل قد تتجلى كظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية.

وتتقاطع القسوة مع قانون الفيزياء وهو أن لكل فعل رد فعل يساويه في القوة، ويعاكسه في الاتجاه؛ أي أن تداعيات القسوة قد تكون وخيمة. ولا يتحمل المرء بمفرده وزر قسوته! فهناك من نشأ في كنف والدين كانا يقسوان عليه، حتى صار يحمل قلباً قاسياً ينفض الناس من حوله!

نظرية التعلم الاجتماعي SLT تشير إلى أن سلوكياتنا تكتسب عبر الملاحظة والتقليد، فتجد موظفاً صغيراً يتقمص شخصية أول مدير له، فيمارس القسوة مع الجميع فور ما يتولى منصباً إدارياً، وينسى أن هناك طرقاً عديدة لتغيير السلوكيات بمهنية واحترافية، بعيداً عن الحدة.

نظرية «التعلق» تكشف أن القسوة أو الإهمال في الطفولة قد يتركان بصمات دائمة على شخصية الفرد؛ فالطفل قد يطور تعلقاً «قلقاً» يخشى فيه الرفض، أو تعلقاً يجعله «يتهرب» من العلاقات الحميمة، وربما تعلقاً «عشوائياً» يتخبط فيه بين الرغبة في القرب والخوف منه. هذه الأنماط تشكل ملامح علاقاته المستقبلية، فتضع حاجزاً نفسياً بينه وبين الثقة والاستقرار العاطفي.

القسوة المحمودة (الحزم) تلك التي تمارَس كمرحلة انتقالية لضبط الأمور، لكن «النهج» القاسي لا يثمر سوى مزيد من الشقاق وتحيُّن فرص الانتقام.

والقسوة بحق الذات مثل اللهثة وراء سراب الكمالية، رغم أن الكمال لله وحده سبحانه. وقسوة المحب أقسى ممن هم دونه.

القسوة تُناقِض الفطرة البشرية، وتُولد مقاومة لا التزاماً، وتحطم الثقة؛ ولذلك كانت بدائلها مزيداً من الحوار، والحزم من دون قسوة، والتحفيز بدلاً من التلويح بعصا العقاب.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
د. محمد النغيمش بعد أن حطت الحرب العالمية الأولى أوزارها، أَجْبَرَ المنتصرون ألمانيا على توقيع معاهدة فرساي، التي قبلت فيها بالمسؤولية الكاملة للحرب، وخسرت أراضيها وأسلحتها ومستعمراتها، وقُلص جيشها الألماني إلى 100 ألف جندي. منذ ذلك الحين، لم نسمع قط أن ألمانيا دخلت طرفاً في حرب أو استفزت أحداً. غير أن معاهدة فرساي التي عدت
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة