الرئيسية/آراء/كرة القدم نقطة تجمع وطني
آراء

كرة القدم نقطة تجمع وطني

لقطة الشاشة 2024-12-31 في 8.10.26 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-31 في 8.10.26 م
اليوم ميديا

سوسن الشاعر

في دولة متعددة الأطياف كمملكة البحرين بها تعدديات طائفية وعرقية رغم صغر مساحتها الجغرافية، فإن «الهوية الوطنية الجامعة» تكون من ضرورات الحياة لاستقرارها وأمنها كلما كانت الهوية الوطنية العامة بارزة وواضحة المعالم ومحددة، كانت قادرة على أن تصهر الفوارق وتذيب الاختلافات بين الهويات الخاصة.

ثبت أن «الهوية الوطنية» تحتاج لتدخل بشري من أجل أن تخلق نقطة تجمّع تشد إليها كل الأطياف بإرادة ذاتية لا بفرض أو بقانون، تحتاج إلى ما يتفق عليه الجميع ويذيب الفروقات، وقد شهد شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي في البحرين، نقطتي تجمّع لجميع الأطياف البحرينية، عززتا من تلك الهوية الوطنية العامة التي نتحدث عنها في وقت نحن أحوج فيه إليها من أي وقت مضى، خصوصاً ونحن نرى تلك الصراعات التي تجري بين الجماعات في العالم بأسره، حتى الدول التي ظنت أن «الديمقراطية» نجحت في تذويب الفروقات بين تعددياتها كالدول الغربية، فإذا بالنزاعات العرقية بين المهاجرين والسكان الأصليين تصعد من جديد، مهددة هويتها الوطنية العامة.

نجح منتخب البحرين في إيجاد نقطة التجمع التي نبحث عنها للمجتمع البحريني بتعددياته الطائفية والعرقية، فكان الدعم والتشجيع للفريق بحرينياً خالصاً حتى النخاع من جميع الأطياف، وإذا بالاختلافات الطائفية بين اللاعبين بعضهم وبعض تذوب، وبينهم وبين الجمهور بجميع أطيافه تختفي تماماً، نجحت كرة القدم بسخونة أجوائها فيما عجز عنه كثير من المحاولات الباردة، فشهدنا ملحمة وطنية شجع فيها الجمهور السني حارس المرمى الشيعي ودعمه، فكان ابناً لكل أم بحرينية؛ سنية كانت أم شيعية، حصنته وقرأت عليه المعوذات قبل وأثناء اللعب، لم يبرز اللون الطائفي في نقطة التجمع هذه، لم يجد له وقتاً ولا مكاناً، كان اسم وعلم البحرين هو المهيمن والمسيطر، فتمثلت «الهوية البحرينية الوطنية» بأجمل صورها في سيطرة العلم البحريني بكل مكان؛ من الكويت مكان إقامة الدورة إلى كل بيت بحريني، معززاً أسمى معاني الهوية الوطنية التي اجتمع عليها الجميع بحب، ولا يعرف قيمة هذه اللحظة وتجلياتها التاريخية إلا بلد يخاف على نفسه من انقسامات وتعدد الهويات.

ولحسن الحظ تزامنت الدورة الخليجية مع احتفالات البحرين التي اختارت أن تكون «النوستالجيا» نقطة التجمع الثانية التي شدت لها أهل البحرين بجميع طوائفهم، فجاءت احتفالية «ليالي المحرق» واحتفالية «ريترو المنامة» لتعيدنا إلى فترة البراءة والعفوية للتدين الفطري السمح الذي كان ديدن أهل البحرين منذ الأزل، وإلى ما قبل نصف القرن الأخير، والذي كان جامعاً لكل المذاهب والأديان في بقعة ومساحة صغيرة جداً كالبحرين بتعايش مذهل، حيث استدعت تلك الاحتفالات ذكريات ذلك الماضي القريب، حين كانت المنامة والمحرق خليطاً من جميع الألوان ممثلة لأصالة أهلها وسماحتهم وهويتهم الحقيقية القادرة على الانصهار بسلاسة ويسر، لذا كانت هذه الاحتفاليات نقطة تجمع ثانية في ذات الوقت والزمن مع فوز المنتخب البحريني، عاشت فيها البحرين أجمل تجليات الاعتزاز والفخر بالهوية الوطنية البحرينية.

خلاصة القول أن الهوية الوطنية تحتاج إلى تدخل بشري من أجل تعزيزها وتقويتها وإبرازها وغرسها، فلا تترك لتنمو عشوائياً، فهناك تجارة وسوق كبيرة من بائعي الهويات ينتظرون غفلتنا لخطف الأجيال وإلباسهم هويات غريبة عنهم، وإن لم تكن الدولة تمتلك رؤية واضحة واستراتيجية شاملة وبرامج وميزانيات و و و، تجعل من «الهوية» مشروعاً تتكفل به الدولة، فإنها تغفل عن أكبر ثغرة لألف حصان وحصان طروادي.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
سوسن الشاعر في دولة متعددة الأطياف كمملكة البحرين بها تعدديات طائفية وعرقية رغم صغر مساحتها الجغرافية، فإن «الهوية الوطنية الجامعة» تكون من ضرورات الحياة لاستقرارها وأمنها كلما كانت الهوية الوطنية العامة بارزة وواضحة المعالم ومحددة، كانت قادرة على أن تصهر الفوارق وتذيب الاختلافات بين الهويات الخاصة. ثبت أن «الهوية الوطنية» تحتاج لتدخل بشري من أجل
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة