الرئيسية/آراء/يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
آراء

يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

470156420_122127590102481511_6661500056456697882_n
📸470156420_122127590102481511_6661500056456697882_n
اليوم ميديا

تركي الدخيل

يَقولُ هُدبةُ بنُ خِشرمِ العُذريّ، وهوَ شَاعرٌ إسْلَامِي فَصِيحٌ:

عَسَى الكَربُ الذِي أَمْسَيْتَ فيهِ

يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

وَهُدبةُ شَاعِرٌ مفلَّقٌ، وكَانَ كَثيرَ الأمْثَالِ فِي شعرِه، وأكثرُ شِعرِه فِي السّجنِ والمَوتِ، لأنَّه سُجِنَ، وقُتلَ شابّاً سَنةَ 54 هـ.

وهوَ أوّلُ من أُقِيدَ فِي الإسلامِ، فَحُبِسَ في عَهدِ مُعاويةَ خَمسَ سِنينَ، لقتلِه ابنَ عَمِّه زيادةَ بنِ زيدٍ العُذريّ، وَكَانَا مُقَربَيْن لِبَعضِهمَا بَعْضاً، وصَدَفَ أنَّهمَا كَانَا عَائديْنِ مِنَ الشَّامِ معَ قَافلةٍ فِيهَا أُختُ هُدبةَ. وكَانَ أنْ قَالَ هُدبةُ شِعراً شَبَّبَ فيهِ بأختِ زِيادةَ وبَالغَ، فَلَمَّا وَصَلَا المَدِينَةَ جَمَعَ زِيادةُ رفاقَهُ وَضَرَبَوا هُدبَةَ ضَرْباً مُبَرّحاً، فَأَصَرَّ علَى الانْتِقَامِ، فَقتَلَ زِيادةَ، وَسُجنَ بِهِ، ثُمَّ لمَّا بَلغَ المِسْوَرُ بنُ زِيادةَ وَكَانَ صغيراً يومَ قَتْلِ أبِيهِ قَتَلَ هُدبَةَ بِأبِيهِ.

وَبَيتُ القَصِيدِ مِنْ أبْيَاتٍ كَانَ هُدبةُ يَقولُهَا فِي حَبسِهِ، يُسلّي بِهَا نفسَه، ويَتصبَّرُ بِهَا علَى حَالِهِ، وَيتَمنَّى فَليسَ للأمَانِيّ مَا يَمنَعُ إعلانَها، وإنْ تَعسَّرَ تَحَقُّقُهَا.

يَقولُ: لَعلَّ (الكَربَ): أشدُّ منَ الهَمّ وَالغَمّ، وهوَ حزنُ النَّفسِ، الذِي (أمسيتَ): أيْ صَارَ الوقتُ عَليكَ مَسَاءً، وبتَّ فيهِ، يكونُ (وراءَه): أيْ خلفَه وأمامَه، ويعقبُهُ (فَرَجٌ): وهوَ كَشفُ الغمّ، يزيلُه عاجلاً، والشَّاعرُ يخاطبُ في الأبيَاتِ ابنَ عمٍ لهُ، كانَ مسجوناً مَعه.

وَلِهُدبةَ قصةٌ معَ زوجتِهِ وهوَ يُقادُ للقِصَاصِ، إذْ كَانتْ تَتبعُهُ بِلَهفةٍ، فأنشدَهَا:

فلَا تَنكَحِي إِنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا

أَغَمَّ القَفَا والوَجْهِ لَيْسَ بِأََنْزَعَا

فَنهَاهَا في البَيتِ عنْ أنْ تتزوَّجَ منْ بعدِه من يَتَّصفُ بتلكَ الصّفَاتِ، فأوقفَتْ زوجتُه منْ يَقتادُ هُدبةَ، وعَمدَتْ إلى جَزَّارٍ فاستلَّتْ مِنهُ سِكينًا وَبَترتْ أنفَهَا، ثمَّ أقبلتْ علَى زوجِهَا، وَقالتْ لهُ: أهَذَا وَجهُ مَنْ تَرجُو بعدَكَ الزَّواجَ؟!

فَقالَ: الآنَ طَابَ وُرودُ المَوتِ!

قصيدةُ هدبةَ التِي فيهَا بيتُ القَصيدِ، أوَّلُهَا قولُهُ:

طَرِبْتَ وأنتَ أحيانًا طَروُبٌ وكَيْفَ وَقَدْ تَعلَّاكَ المشِيبُ

يُجِدُّ النأْيُ ذِكْرَكَ في فُؤَادِي إذَا ذَهِلَتْ عَنِ النَّأيِ القُلُوبُ

يُؤرِّقُنِي اكْتِئَابُ أَبِي نُمَيرٍ فَقَلْبِي من كَآبتِه كَئِيبُ

فَقلتُ لَهُ: هَداكَ اللَّهُ مَهْلًا وخيرُ القْولِ ذُو اللُّبِّ المُصِيبُ

فإِنَّا قَدْ حَلَلْنَا دَارَ بَلْوَى فتُخطِئُنَا المنَايَا أو تُصِيبُ

عَسَى الكرْبُ الذي أََمْسَيْتُ فيه يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

و«أمسيتُ» تُروَى حِيناً بِالضَّمِ، أيْ أمسَى المتكلّمُ الشَّاعر، وحينًا بالفَتحِ، أي أمسَى المُخَاطَبُ.

طَربتَ: الطَّربُ: خِفَّةٌ تعتريهِ عندَ شِدَّةِ الفَرحِ، وقيلَ: الطَّرب: الشَّوقُ.

تَعلَّاكَ: عَلَاكَ الشَّيبُ وبدَا ظَاهراً علَى رأسِكَ.

النأي: البُعد. وقوله (عن النأي): عن هنا تعني، من أجل.

فهو عندما هزه الشوق، عاد لنفسه فتذكر ما علا مفرقه من الشيب، فكأنه عاب على نفسه الطرب.

في (الفرج بعد الشدة)، لابن أبي الدنيا، قوله:

حَاصَرَ هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حِصْنًا، فَإِذَا سَهْمٌ قَدْ جَاءَ لَيْسَ لَهُ نَصْلٌ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ:

إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ: اكْتُبُوا عَلَيْهِ وَرُدُّوهُ:

عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

قَالَ: فَافْتُتِحَ الْحِصْنُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ صَاحِبُ السَّهْمِ مِمَّنْ تَخَلَّصَ، وَكَانَ مَأْسُوراً مَحْبُوساً فِيهِ سَنَتَيْنِ.

والقصص التي تُروى في الفرج بعدَ الشّدة، ويكونُ بيتُ هدبةَ لُبَّها، كثيرةٌ في كتبِ التراث.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
تركي الدخيل يَقولُ هُدبةُ بنُ خِشرمِ العُذريّ، وهوَ شَاعرٌ إسْلَامِي فَصِيحٌ: عَسَى الكَربُ الذِي أَمْسَيْتَ فيهِ يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ وَهُدبةُ شَاعِرٌ مفلَّقٌ، وكَانَ كَثيرَ الأمْثَالِ فِي شعرِه، وأكثرُ شِعرِه فِي السّجنِ والمَوتِ، لأنَّه سُجِنَ، وقُتلَ شابّاً سَنةَ 54 هـ. وهوَ أوّلُ من أُقِيدَ فِي الإسلامِ، فَحُبِسَ في عَهدِ مُعاويةَ خَمسَ سِنينَ، لقتلِه ابنَ عَمِّه
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة