الرئيسية/آراء/الدخان الرمادي في غزة!
آراء

الدخان الرمادي في غزة!

لقطة الشاشة 1446-05-29 في 10.18.55 ص
📸لقطة الشاشة 1446-05-29 في 10.18.55 ص
اليوم ميديا

محمد الرميحي

يبدو أن ثمة دخاناً رمادياً مرتقباً من مجموعة المفاوضين حول حرب غزة، وهو ليس دخاناً أبيض! بعد أن تدفقت مياه كثيرة ودماء غزيرة في نهر الصراع. زبدة الاتفاق المتحدث عنه، أن لا «حماس» في غزة، وأمن شخصي لمن يبقى من قياداتها، وقوة محايدة لإدارة غزة، مع بقاء قوة عسكرية إسرائيلية، وإطلاق الرهائن من غزة، وبعض الأسرى عند إسرائيل إلى خارج أرض فلسطين!

بعد انطلاق «طوفان الأقصى» بأربعة أشهر كتب كاتب هذه السطور في هذا المكان، مقالاً بعنوان: «غزة: الأمور بخواتيمها!»، ونُشر في 4 فبراير (شباط) 2024. بعض فقراته كما يلي:

في المقدمة كان القول: «من الطبيعي أن لكل حرب نهاية، ويبدو أن حرب غزة قد وضعت لها (الخريطة الزرقاء) سيناريو مشهد نهايتها، تلك الخريطة تم الحديث عنها منذ أسابيع في الغرف الخلفية، وتم الإشارة إلى بعض خطوطها علناً، وهي خطة تشترك فيها جميع الأطراف، سواء كانت فلسطينية (من خلال وسطاء عرب) أو إسرائيلية أو أميركية وغربية، وقد ذهبت بريطانيا العارفة بمنطقة الشرق الأوسط للتلويح بالجزرة، حيث قال وزير خارجيتها المخضرم: (نحن نفكر بالاعتراف بدولة فلسطين)»!

أما صلب الفكرة في ذاك المقال فقد كان كالتالي:

«الخطوط العريضة للخطة كما سربت هي هدنة لشهرين أو أكثر بين المتحاربين، وخلال تلك الفترة يجري إطلاق سراح الرهائن، وهم أكثر قليلاً من مائة شخص، مع إطلاق عدد معقول من سجناء فلسطينيين في سجون إسرائيل، بدءاً بصغار السن والنساء، والأكثر محكومية والأقدم من السجناء.

بعد تلك الفترة أو قرب انتهائها يترك زعماء (حماس) العسكريون وكبار القادة القطاع إلى ملاذ آمن، في الغالب عربي وبعيد جغرافياً، وتم اقتراح أكثر من بلد لاستقبال هؤلاء، في سيناريو يشابه خروج ياسر عرفات من لبنان وإن كان أقل زخماً، مع منع أي نشاط لـ(حماس)، سياسي أو غيره، في القطاع، ويسلم القطاع في مرحلة انتقالية لإدارة مشتركة قد تشترك فيها بعض الدول العربية المجاورة، ثم تأتي المرحلة الثالثة بعد المرحلة الانتقالية لإعلان دولة فلسطين التي تضم أراضي الضفة والقطاع على الخطوط العريضة التي تم بها اتفاق أوسلو مع بعض التحويرات، يصاحب ذلك اعتراف عربي أوسع بإسرائيل».

السابق بالضبط ما نُشر في 4 فبراير 2024؛ أي قبل أكثر قليلاً من أحد عشر شهراً من اليوم، وكان عدد الضحايا في غزة لم يبلغ مجموعهم عشرين ألفاً، والمدن الغزية معظمها قائم، لم يكن هناك رؤية وقتها لاستخلاص العبر من صراع دامَ حتى ذلك الوقت أربعة أشهر بقبول الاقتراحات المطلوبة، كان الاعتماد على «الأم الساخنة»؛ محور المقاومة، فظهر أنها «أم باردة»!

استمر الصراع المرير وغير المتكافئ بعد ذلك، وخلّف عشرات الآلاف من الضحايا، بما فيهم بعض كبار قادة «حماس» سواء في بيروت أو غزة، بل حتى في طهران، وانتهى لبنان و«حزب الله» بما انتهيا إليه، وتغيرت سوريا إلى اختفاء الأسد إلى الأبد! وهُدمت غزة على رؤوس أصحابها، ولكن الأهم أن ما كان مطروحاً وفي متناول اليد وقتها، لم يعد اليوم كذلك؛ لم يعد بقاء «حماس» كجسم سياسي في غزة ممكناً اليوم، ولم يعد انسحاب إسرائيل من غزة أو معظم أرضها مطروحاً، والأكثر من ذلك أنه اختفى الحماس الدولي لإقامة دولة فلسطينية، بل يهدَّد الآن الفلسطينيون في الضفة الغربية من أجل توسيع رقعة إسرائيل، واستمر صراع الإخوة على أشده!

لقد انطبق على القيادة الحماسية ما انطبق على الثوريين العرب، وهو «تفويت الفرص». أهم درس نخرج به من كل ملفات السنة ونيف التي مرت بتاريخنا العربي المعاصر هو قدرة هائلة في تفويت الفرص، وقد جاءت تلك القدرة من مخزون فكري هو تغليب الأدلجة على الواقع، وفقر مدقع في الخيال السياسي، وقراءة خاطئة لإمكانات العدو، وبأي وسيلة يمكن مواجهته؛ هو يعتمد على العلم، والآخرون يغلبون العواطف المحملة بشعوذة سياسية، ويفتقدون الحوار الداخلي الحر فيما بينهم في كيفية المواجهة أو طريق المفاوضة.

في نهاية الأمر ونحن نقترب من الدخان الرمادي، نجد أنه دخان ملوث يفتقد البصيرة وعدم القدرة على مقاربة الواقع الإقليمي والعالمي، وثمة خسارة مؤكدة وتضحيات هائلة لم تنتج إلا الحسرة.

آخر الكلام: سوف يحصل الغزيون على غزة منقوصة الجغرافيا، ومن دون سيطرة «حماس»، والكثير من المقابر الجديدة، ومع ذلك سنجد من يتحدث عن «الانتصار»!

نقلا عن الشرق الأوسط

"
محمد الرميحي يبدو أن ثمة دخاناً رمادياً مرتقباً من مجموعة المفاوضين حول حرب غزة، وهو ليس دخاناً أبيض! بعد أن تدفقت مياه كثيرة ودماء غزيرة في نهر الصراع. زبدة الاتفاق المتحدث عنه، أن لا «حماس» في غزة، وأمن شخصي لمن يبقى من قياداتها، وقوة محايدة لإدارة غزة، مع بقاء قوة عسكرية إسرائيلية، وإطلاق الرهائن من
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة