الرئيسية/آراء/هراري الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية
آراء

هراري الشبكات المعلوماتية ونهاية الإنسانية

لقطة الشاشة 2025-02-05 في 1.43.36 ص
📸لقطة الشاشة 2025-02-05 في 1.43.36 ص
اليوم ميديا

إميل أمين

مرة جديدة ينفلش الحديث المخيف عن نهاية الإنسانية من جراء الثورة المعلوماتية والشبكات الإلكترونية، وكأنه صدى لتنبؤ آخر تحدث عنه عالم الاجتماع السياسي الأميركي فرنسيس فوكاياما في أوائل تسعينات القرن الماضي، عبر مؤلفه «نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية».

منطلق عودة إرهاصات نهاية الإنسان، موصول ولا شك بإعلان الولايات المتحدة الأميركية عن بدء مشروع «ستارغيت» للذكاء الاصطناعي من جهة، ثم الثورة الصينية المتعلقة بمشروع «ديب سيك» من ناحية أخرى.

في سبتمبر (أيلول) الماضي، خرج على العالم الباحث والمؤرخ في قسم التاريخ بالجامعة العبرية بالقدس، يوفال نوح هراري، بكتابه الأحدث «Nexus»، أو «الرابط: تاريخ مختصر لشبكات المعلومات من العصر الحجري حتى الذكاء الاصطناعي».

عرف هراري بكتاباته عن «الثورة الإدراكية» التي حدثت قبل خمسين ألف سنة عندما تمكن «الهوموسابينس» الإنسان العاقل، من التفوق على إنسان «النيندرثالز» البدائي، عبر تطويره للمهارات اللغوية والهياكل الاجتماعية.

في مؤلفاته السابقة تناول هراري نتائج الأبحاث البيولوجية التي ستخلق عالماً يتفوق فيه الذكاء الاصطناعي على خالقه البيولوجي، وتصل رؤياه المخيفة إلى أن «الهوموسابينس» كما نعرفه سوف يختفي بعد قرن أو أكثر قليلاً.

في مؤلفه الأخير يأخذنا هراري من خلال النظر عبر عدسة التاريخ البشري الطويل في كيفية صنع وتدمير تدفق المعلومات لعالمنا، ويوفر خلفية أساسية لفهم التهديدات والوعود التي تحملها ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم.

تضعنا صفحات كتاب هراري أمام تساؤل جوهري، وهو أنه إذا كنا قد أطلقنا على نوعنا البشري الحالي اسم العاقل، وإذا كان البشر قد وصلوا إلى هذا الحد من المعرفة والحكمة، فلماذا يفعلون الكثير من الأشياء المدمرة للذات؟

ربما قصد هراري الحروب والصراعات العالمية في الماضي، غير أنه وبكل تأكيد يتوقف اليوم أمام نوعين آخرين من الجنون، وذلك عبر الانتحار البيئي والتكنولوجي معاً.

يقطع هراري بأن البشرية تكتسب القدرة من خلال بناء شبكات كبيرة من التعاون، ويرى أن أسهل طريقة لبنائها والحفاظ عليها، هو نشر الخيال والأوهام الجماعية.

لم يكن هراري في واقع الحال هو أول من تناول شأن الشبكات، فقد سبقه في يناير (كانون الثاني) 2019 المؤرخ الاسكوتلندي الأصل الأميركي الجنسية، نيل فيرغسون، بكتابه الأكثر إثارة «الساحة والبروج: الشبكات والسلطة من الماسونيين الأحرار إلى فيسبوك»، والفارق هو أن هراري يركز على التدفق المعرفي، فيما فيرغسون، اهتم بالجماعات الإنسانية القابضة على جمر السلطة حول الكرة الأرضية.

يمكننا القطع بأن هراري وفوكاياما من قبله، قد استمدا الكثير من معينهما الفكري من الروايتين الشهيرتين: «1984» لجورج أورويل، و«عالم شجاع» لالدوس هكسلس، وهما الروايتان المؤسستان للكثير من أفكار المستقبليات، لا سيما عندما يتخطى هذا العالم المستقبلي حدوده، ويحكم على القدرات الإنسانية بالركود ووقف النمو بل والتطور.

يضعنا هراري أمام حالة تناقض ظاهري وباطني، حيث إشكالية سعي البشرية إلى تحسين قدراتها، لكن من غير أن تقبل واقعها وطبيعتها وجوهرها المجبولة عليها.

محور هذا العمل الفكري الكبير يدور حول قدرات شبكات الكومبيوتر القائمة والقادمة على تدمير كل شيء، من رأسمالية المراقبة الرقمية، إلى خوارزمية التعددية الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي للحضارة، والوصول إلى نهاية التاريخ البشري.

تبدو المعلوماتية شيئاً مستحباً بالفعل، لكن هل كلما زاد تدفقها كان الأمر أكثر منفعة للبشر أم العكس؟

يذهب البعض إلى أن التدفق الحر للمعلومات يتناسب طردياً مع رفاهية البشرية، غير أن نفراً آخر يرى أن السيطرة على كنوز المعلومات تقود حكماً إلى التوتاليتارية والشمولية، وحكم الفرد، وهو ما يمكن أن تفعله شبكات المعلومات والذكاءات الاصطناعية التي تتطور بسرعة مخيفة من عالم الـAI إلى سياقات الـSAI وصولاً إلى الـAGI والسؤال، هل يمكن أن نصحو يوماً لنجد أسياد الذكاء الاصطناعي الجدد وقد اكتسبوا قوى ترتقي بهم إلى مرتبة التسيّد المطلق؟

من «ستارغيت» إلى «ديب سيك»، يمكن أن تجد الإنسانية ذاتها بين يدي وباء معلوماتي يدمر خزائن الأرض المعلوماتية، وربما وباء بيولوجي حقيقي، تروج له جماعات مارقة، عطفاً على الأخطر، وهو تخليق مذاهب دينية جديدة وغريبة.

هل هراري كاتب رؤيوي تنبؤي أم سردي؟

مهما يكن من أمر فإن الخوف الحقيقي هو أن تندم البشرية من هذا السباق، كما ندم نوبل على صناعة الديناميت، وآينشتاين على تفتيت الذرة، ما لم تقتنع البشرية بأن كل تلك الذكاءات تفتقر إلى كل ما هو إنساني جوهري وعميق.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
إميل أمين مرة جديدة ينفلش الحديث المخيف عن نهاية الإنسانية من جراء الثورة المعلوماتية والشبكات الإلكترونية، وكأنه صدى لتنبؤ آخر تحدث عنه عالم الاجتماع السياسي الأميركي فرنسيس فوكاياما في أوائل تسعينات القرن الماضي، عبر مؤلفه «نهاية الإنسان: عواقب الثورة البيوتكنولوجية». منطلق عودة إرهاصات نهاية الإنسان، موصول ولا شك بإعلان الولايات المتحدة الأميركية عن بدء مشروع
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة