الرئيسية/آراء/بائع خبز وسمك
آراء

بائع خبز وسمك

لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
اليوم ميديا

سمير عطا الله


كان صاحبنا يتحدث إلى طلبة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، عندما سُئل: من – في اعتقاده – أول صحافي عربي؟ وأقر بعد تفكير أن السؤال لم يخطر له من قبل. ولا هو واثق ممن تنطبق عليه صفة الصحافي في منثور العرب. والأكثر سهولة هو تسمية الأعظم في منظومهم.

عندها يكون الجواب فورياً وبلا جدال، إنه طيّب الذكر أبو الطيب. أما في منثور العرب فأول من يخطر في البال، وثانياً، وثالثاً، مواطنه من العراق، وبالتحديد من البصرة. وقد كان هذا «خبازاً وبائع سمك»، يعيش مع أمه من هذه الحرفة، ويكره أن يكون فيها. غير أن أمه كانت تصبّره على روائح السمك المشوي، وقلة المبيع في الخبز. وكانت تدرك أنها سوف تخسر المعركة. كلما بحثت عنه وجدته عند الورّاقين. وعندما يعود إلى المنزل، فمتأبطاً كتاباً أو أكثر. وبعدما تشبَّع من القراءات، بدأ صنعة الكتابة. ومثلما كان مجتهداً في القراءة والحفظ، هكذا كان في التأليف والبحث. قرأ في كل شيء، وكتب في كل شيء، كما أخبرنا العم ياقوت الحموي، وتلك ذروة الأدب، و«الأديب هو من أخذ من كل شيء بطرف». وصدف أن عصره كان غنياً بتداخل الثقافات فأفاد منها. وقرأ كل شيء حتى الفلسفة. وكتب في البشر، والحيوان، والطبيعة، والتاريخ، والأخلاق، والحكمة، والمنطق، والكيمياء، والفلك، والجغرافيا، واللغة بجميع أبوابها، من شعر وهجاء وقصص وحكايات، وفي الأخلاق والمهن. ولم يجد موضوعاً إلا وبحثه، ولا باباً إلَّا «وطرقه». كان موسوعياً قبل ظهور الأدب الموسوعي. وبليغاً مجدداً وكثير الابتكار. إلى جانب كل ذلك أضاف الدعابة والظرف.

كانت البصرة تعيش «زمن المدرسة العقلية»، وسوف يصبح الخبّاز السابق أحد عمالقتها، وأحد عمالقة التراث العربي على مدى الأجيال. ثم تطلّع صاحبنا المحاضر في الطالبة التي طرحت السؤال، وقال: تخيلي لو أن الجاحظ نجح في بيع السمك والخبز!…

نقلا عن الشرق الأوسط

"
سمير عطا الله كان صاحبنا يتحدث إلى طلبة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، عندما سُئل: من – في اعتقاده – أول صحافي عربي؟ وأقر بعد تفكير أن السؤال لم يخطر له من قبل. ولا هو واثق ممن تنطبق عليه صفة الصحافي في منثور العرب. والأكثر سهولة هو تسمية الأعظم في منظومهم. عندها يكون الجواب فورياً
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة