الرئيسية/آراء/إيران… البحث عن وسيط
آراء

إيران… البحث عن وسيط

scale_1200-1024×683
📸scale_1200-1024×683
اليوم ميديا

مصطفى فحص


في المشهدين الإقليمي والدولي، تقف طهران حائرة، وحيرتها تتسع كلما ضاقت خياراتها أو غاب أصدقاؤها، سواء عن عمد أو من أجل مصلحة، عن مشهدها.

وأصدقاؤها قلة، لأن الدول تُحكم بالمصالح لا بالصداقات أو العقائد. وهؤلاء الأصدقاء لديهم هموم كثيرة وقلق متزايد يجعلهم يندفعون فرادى من أجل تسوية مؤقتة هنا، ومساومة هناك، أو حل بأقل الخسائر. وهذا ما فعلته حليفتها المفترضة موسكو عند أول إشارة تلقَّتها من واشنطن، فسعت بكل جهد إلى لقائها عند الجارة الرياض.

على الرياض تُطلّ طهران كأنها أيضاً ستطلب وساطتها، بعد أن نجح أقرب حلفائها المفترضين، الروس، في طَرْق بابها من أجل وساطة تبدو في طريقها إلى النجاح مع واشنطن، على الرغم من ثقلها الاستراتيجي على حلفاء واشنطن التاريخيين في الجانب الأوروبي من الأطلسي. وإذا نجحت، فسيجعل ذلك طهران أمام انتباهين: الأول، أن عليها أن تسلك سلوك موسكو في التوسط، وتلجأ إلى الرياض، الجارة التي تبحث دائماً عن استقرار دائم للمنطقة والعالم، وباتت مكاناً يجمع الأضداد أو المختلفين. أما الانتباه الآخر، فهو أن تزيد حذرها من موسكو المندفعة نحو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي قد تعطيها بعضاً مما تبحث عنه منذ الحرب الأوكرانية.

جاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى طهران مطمئناً بشأن شراكة استراتيجية قد لا تصل إلى المستوى المطلوب إيرانياً، كما أنها لا تبدد القلق الإيراني المتزايد من تبادل المواقع والمصالح، وتسعى لتجنب أن تكون وحيدة في مواجهة إدارة أميركية لا يختلف التفاوض معها كثيراً في شروطه ونتائجه عن المواجهة. فطهران أمام خيارين مرّين، وتبحث عن مَخرج صعب أو وساطة قادرة على إعطائها شيئاً مما ترغب فيه.

ما ترغب فيه طهران من الوسيط أو الوساطة لا يمكن تحقيقه مع إدارة الرئيس ترمب، فسقف مطالبه أعلى من سقف توقعاتها، ولا يوجد طرف في المنطقة أو العالم قد يقف إلى جانبها أو يسندها، فالحساسية العالمية من مصطلح «الإسناد» تكاد تكون عقاباً لها، وينعكس ذلك عليها في أي خطأ تقديري ترتكبه في مفاوضاتها مع واشنطن.

ثلاث جولات من التفاوض الأوروبي – الإيراني على مدى أشهر لم تصل إلى نتيجة، فالهوَّة بين الطرفين تزداد، وعوامل التحدي تتضاعف. الأوروبيون ليسوا في موقع القبول بقدرات نووية أو استراتيجية إيرانية، وواشنطن تريد اتفاقاً جديداً يلغي الاحتمالات والمخاطر الممكنة كافة. أما موسكو فتريد أوكرانيا أولاً وأخيراً، وأمامها وقت أميركي مستقطَع؛ فإما أن ينجح ترمب في فرض رؤيته للحل على حلفائه الأوروبيين، وإما أن يبدأ بالتراجع أمام ضغوط مؤسسات صنع القرار ومراكز القوة التقليدية في واشنطن المتمسكة بالشراكة بين ضفتَي الأطلسي، والتي قد تنجح في تعطيل رؤيته للحل مع موسكو أو حتى عرقلة سنواته الأربع. وقد تأخذ منه في أوكرانيا وتعطيه في إيران.

بناء الثقة مع ترمب صعب، والموقف الإيراني مختلف عن كل الفترات السابقة، وأوراق مقايضته معطلة أو شبه معدومة. الثقة بالروس حذرة، وهذا الحذر تاريخي، مبنيٌّ على قرون وعقود من التردد في الرهان عليهم أو الاعتماد على مواقفهم، أما الرياض، فهي الحاضرة الدائمة، التي نجحت في تحويل موقعها الجيوسياسي إلى حيز تفاوضي قادر على خلق مساحات تفاوضية، وأصبحت تؤدي الدور الذي لعبته عواصم أوروبية على مدى أكثر من قرن. وهكذا، بعدما كان قادة الشرق الأوسط يذهبون إلى أوروبا للتصالح، بات زعماء أوروبا والعالم يأتون إلى الرياض للتوسط. فهل تلتفت طهران إلى هذه الإشارة؟

نقلا عن الشرق الأوسط

"
مصطفى فحص في المشهدين الإقليمي والدولي، تقف طهران حائرة، وحيرتها تتسع كلما ضاقت خياراتها أو غاب أصدقاؤها، سواء عن عمد أو من أجل مصلحة، عن مشهدها. وأصدقاؤها قلة، لأن الدول تُحكم بالمصالح لا بالصداقات أو العقائد. وهؤلاء الأصدقاء لديهم هموم كثيرة وقلق متزايد يجعلهم يندفعون فرادى من أجل تسوية مؤقتة هنا، ومساومة هناك، أو حل
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة