الرئيسية/آراء/السؤال الذي يتحاشى الكثيرون طرحه!
آراء

السؤال الذي يتحاشى الكثيرون طرحه!

لقطة الشاشة 2024-12-31 في 8.04.52 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-31 في 8.04.52 م
اليوم ميديا

حازم صاغية


يمتنع كثيرون عن طرح سؤال مُلحّ، بل حارق، وامتناعُهم هذا يبلغ حدّاً يجعلهم، كلّما لاح لهم شَبحُ ذاك السؤال، يسارعون إلى تمويهه أو ربّما إلى ابتلاعه. أمّا السؤال فهو: كيف نجمت عن كارثة «طوفان الأقصى» تلك الكارثة الأخرى التي أنزلها ويُنزلها الإسرائيليّون بالشعب الفلسطينيّ، بحيث قال مؤخّراً القياديّ الحمساويّ موسى أبو مرزوق إنّه لو توقّعَ النتائج لما كانت العمليّة أصلاً. وكيف، من جهة ثانية، حملت تداعيات العمليّة نفسِها بشرى للشعبين السوريّ واللبنانيّ، إذ سقط نظام مجرم عاش عقوداً مديدة في دمشق، وقُوّضت في بيروت ميليشيا «حزب الله» التي كاد يتراءى أنّها دهريّة؟

ففي فلسطين، وبقسوة وحشيّة، نُزع عن الفلسطينيّين، حاليّاً وفي المدى المنظور، كلُّ تمكينٍ وقدرة، وهذا على الضدّ تماماً من التوقّعات الهوجاء التي سبق ترويجها من أنّ «طوفان الأقصى» وضعَ القضيّة الفلسطينيّة «على الطاولة». أمّا في سوريّا ولبنان فنشأت، ولو من حيث المبدأ، فرصتا تمكين كبريان لشعبي البلدين، بغضّ النظر عن الطريقة التي سوف يتصرّف بموجبها الشعبان والمجتمعان.

والسؤال شديد الحساسيّة لأسباب عدّة أهمّها أنّه يمسّ مسلّمات موروثة صنعتها إيديولوجيّات كثيرة تعاقبت علينا وأقنعتنا بـ «مصير واحد» – قوميٍّ لجميع العرب، أو دينيّ لجميع المسلمين، أو يساريّ لجميع الكادحين في المنطقة والعالم. وربّما كان الممانعون الورثةَ الوحيدين لتلك الخرافة، إذ يعتبرون النتائج التي حصدتها البلدان الثلاثة متساوية، إمّا في كونها كلّها انتصارات، أو في كونها تتساوى في الهزيمة، وأنّها بالتالي تعيد توحيدنا في تلك الهزيمة بوصفها «مصيرنا الواحد». لكنّ من يرى في سقوط نظام الأسد مأساة لا يفعل سوى إعلان انحطاط تلك السرديّة ذات المظهر المتماسك. وهذا بالضبط ما يفسّر محاولة بعض الممانعين البائسة تلفيق ابتهاج متأخّر جدّاً بسقوط بشّار الأسد.

والحال أنّ الجواب الأوّل عن السؤال، والذي يكاد أن يكون آليّاً، هو أنّ مسارات تلك البلدان أكّدت استقلاليّة واحدها عن الآخر في تلقّي الأحداث كما في انعكاس تلك الأحداث عليها. وهذا لئن لم يكن جديداً لمن أراد أن يرى الأشياء من خارج الخرافات التوحيديّة، فإنّه جاء هذه المرّة ساطعاً وعاصفاً يعجز الأعمى عن عدم رؤيته. وأنْ يتكشّف كلّ بلد عن وضع يخالف وضع البلد الآخر، بل يناقضه، فهذا من الحقائق الكبيرة والكثيرة التي غابت بالطبع عن بال مَن ارتكبوا «طوفان الأقصى»، متوهّمين «هَبّة الملايين» إمّا للصلاة في المسجد الأقصى أو لغرض آخر دينيّ أو دنيويّ.

لكنّ الجواب الثاني الذي يُسبغ بعض التعقيد على بساطة الجواب الأوّل فيتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة كما صنّعتها الممانعة، قبل أن تجد تتويجها الكارثيّ في «طوفان الأقصى». فالقضيّة تلك لم يُكتفَ بجعلها شيئاً متعالياً ومقدّساً لكنّه لا يُحلّ سياسيّاً، إذ أنّها وُضعت في مواجهة مصالح الشعوب وحرّيّاتها، بما فيها الشعب الفلسطينيّ نفسه. وفي هذا المعنى، وفي ظلّ الرعاية الإيرانيّة الدائمة، بات نظام كنظام الأسد، وميليشيا كميليشيا «حزب الله»، يحتلاّن مواقع متقدّمة في تمثيل تلك القضيّة وفي التعبير عنها.

بيد أنّ الممانعين بتصنيعهم القضيّة على هذا النحو لم يكونوا على بيّنة من أنّهم يسرّعون التحوّل نحو استقلاليّة القضايا الوطنيّة، وإن أعطوه مذاقاً مُرّاً، وأحياناً شوفينيّاً، كان يمكن تجنّبه. وهذا فضلاً عن كونهم، هم أنفسهم، أوّل مَن طحنهم ويطحنهم ذاك التحوّل. فهم طالبوا الشعوب بالكثير الذي يفوق طاقتها على الاستجابة والتلبية، ذاهبين بعيداً جدّاً في مناقضة الوجهة العميقة لتبلور المجتمعات والسيادات الوطنيّة، كما لتحوّلات الأجيال وتطلّعاتها.

لكنّ أذى القضيّة لم يقف عند هذا الحدّ. إذ بنتيجة عقود متوالية من سياسات إلحاق البلدان المعنيّة بها، جاءت الفرصة الكبرى التي توفّرت للسوريّين واللبنانيّين منقوصة ومثلومة. ففي لبنان نقاط محتلّة على الخطّ الحدوديّ، وفي سوريّا أراضٍ احتُلّت وأضيفت إلى ما سبق أن احتُلّ في 1967. هكذا قد يجد البَلدان نفسيهما مضطرّين إلى تنازلات كان يمكن تفاديها. فبعض ما يُخشى اليوم أن تُجبر إسرائيل البلدين والوضعين الجديدين فيهما على دفع كلفة باهظة، إنّما أقلّ من كلفة الالتحاق بالقضيّة، والاستمرار فيه، أو على إبقاء تحرّرهما الجديد معاقاً وموقوفاً إلى مدى زمنيّ يصعب تقديره. وفي هذه الغضون لا يُستبعَد في تلّ أبيب أن تراهن على نزاعات أهليّة لدينا تشكّل ورقة أخرى بين أوراقها التفاوضيّة.

في الأحوال كافّة، يلوح وضع سوريّا ولبنان، فيما هما يبارحان وضعين كارثيّين، كمن تراكمت فواتيره الكثيرة وبات مطالَباً بأن يدفعها مرّة واحدة كي يستطيع إكمال سيره إلى الأمام. لكنّه يلوح أيضاً امتحاناً لقدرتنا على ممارسة السياسة المصحوبة بالمسؤوليّة.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
حازم صاغية يمتنع كثيرون عن طرح سؤال مُلحّ، بل حارق، وامتناعُهم هذا يبلغ حدّاً يجعلهم، كلّما لاح لهم شَبحُ ذاك السؤال، يسارعون إلى تمويهه أو ربّما إلى ابتلاعه. أمّا السؤال فهو: كيف نجمت عن كارثة «طوفان الأقصى» تلك الكارثة الأخرى التي أنزلها ويُنزلها الإسرائيليّون بالشعب الفلسطينيّ، بحيث قال مؤخّراً القياديّ الحمساويّ موسى أبو مرزوق إنّه
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة