الرئيسية/آراء/ليبيا: العودة إلى مرحلة الحَبْو
آراء

ليبيا: العودة إلى مرحلة الحَبْو

لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
📸لقطة الشاشة 2024-08-15 في 2.34.46 ص
اليوم ميديا

جمعة بوكليب

قبل إجادته النطق وتعلّم الكلام، يمر الوليد الآدمي بمرحلة اللثغ. وقبل وقوفه على قدمَيْن وتعلّم المشي، يكون قد مرّ بمرحلة الحَبْو، أي التحرّك ببطء على يدَيْه وركبتَيْه.

مرحلة الحَبْو تُعدُّ قصيرة، إلا أنّها تطول أحياناً، لأسباب أغلبها يعود إلى أمور صحّية يتعرّض لها الوليد. والأمر نفسه، وباختلاف، يطول مسيرة الدول والأمم والشعوب خلال مراحل تاريخها؛ إذ لا أحد منها وُلد واقفاً على قدمين.

قبل تعلّم المشي كان الحَبْو. والتاريخ الإنساني، على اختلاف مراحله، يُعدُّ سجلاً موثقاً لمسيرة التطور الإنساني والحضاري. وهي مسيرة طويلة وبانحناءات كثيرة، وانتكاسات مريرة.

في بدايات الخمسينات من القرن الماضي، شهدت خريطة العالم ظهور دول مستقلة جديدة، بأعلام وأناشيد وطنية. ومن ضمنها بلدي ليبيا، التي استقلّت في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1951. المسافة الزمنية بين تاريخ الاستقلال والوقت الحالي تجاوزت السبعين عاماً. وتُعدّ كافية جداً، بالمعايير كافّة، لكي تتجاوز الدولة الليبية مرحلة الحَبْو، وتبدأ مسيرة النهوض والمشي والسير في ركب الأمم. إلا أن الزائر لليبيا هذه الأيام، أو حتى خلال السنوات الماضية، يكتشف العكس. فالدولة الفتيّة شاخت وتفتتت. والمجتمع تشظّى. والنسيج الاجتماعي تمزّق، وبدلاً من دولة ليبية، وُجدت، حالياً وفعلياً، اثنتان على الأرض. والاثنتان في حالة حليلة من التخبط والفوضى والنهب.

كما ينتكس الوليد صحياً، أو يُصاب بداء الإعاقة، تتعرّض الأمم والشعوب إلى نكسات. بعضها يمكن الشفاء منه، وبعضها يصيبها بإعاقة. فتبدو في وضعية مثيرة للشفقة. والذين عرفوا ليبيا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خصوصاً في مرحلة النهوض الإداري والتعليمي الصحي والأمني، لربما يتذكرون المستقبل المأمول والموعود الذي كان ينتظرها. إلا أن تلك الفورة النهضوية سرعان ما تعرّضت للبتر، على أيدي انقلاب عسكري في عام 1969. تلك كانت أولى النكسات. ذلك أن المخلّص الذي جاء مبشّراً بالخلاص من الرجعية، وبالتحرر من الاستعمار، تحوّل إلى مستبد عنيد، أدخل البلاد والعباد في أنفاق معتمة، وأهدر ثرواتها في مغامرات سياسية وعسكرية فاشلة. وكل ذلك كان على حساب قطاعات أساسية؛ مثل: التعليم، والصحة، والمواصلات.

النكسة الأخرى كانت بسقوط النظام العسكري في فبراير (شباط) من عام 2011؛ إذ كان المتوقع أن التخلص من الاستبداد قد يحرّر الشعب من أصفاده، ويسعى جاهداً لتعويض ما فاته، واللحاق بمن سبقه من الشعوب والأمم. لكنّ التوقعات كانت لا تتطابق وواقع الأحوال. وبدلاً من الانطلاق إلى الأمام، عادت ليبيا إلى مرحلة الحبو، والزحف على اليدَيْن والركبتَيْن.

الأمل هو الفرق بين مرحلة الحبو الأولى، التي بدأت بعد الاستقلال، والانتكاسة الحالية التي تعيشها البلاد. في مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة، ورغم الدمار الذي سبّبه الاستعمار الفاشي الإيطالي، والدمار الذي لحق بها من جرّاء المعارك التي جرت على ترابها بين جيوش الحلفاء والمحور، والفقر وقلة الموارد، فإن الليبيين، شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، كانوا مسكونين بالأمل، وعلى ثقة بالله وبالمستقبل. وجزاهم الله على صبرهم بأن منّ عليهم باكتشاف النفط.

ذلك الأمل اختفى متبدداً مثل رماد في فضاء، ومكانه حل يأس مُرّ وقاسٍ في قلوب الليبيين، وهم يرون بلادهم تنتكس وتعود القهقرى، إلى مرحلة الحبو، وكأنها لم تعرف يوماً الوقوف على قدمَيْن والمشي.

العالم ينطلق إلى العلا وليبيا تغوص في الوحل بفعل أبنائها.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
جمعة بوكليب قبل إجادته النطق وتعلّم الكلام، يمر الوليد الآدمي بمرحلة اللثغ. وقبل وقوفه على قدمَيْن وتعلّم المشي، يكون قد مرّ بمرحلة الحَبْو، أي التحرّك ببطء على يدَيْه وركبتَيْه. مرحلة الحَبْو تُعدُّ قصيرة، إلا أنّها تطول أحياناً، لأسباب أغلبها يعود إلى أمور صحّية يتعرّض لها الوليد. والأمر نفسه، وباختلاف، يطول مسيرة الدول والأمم والشعوب خلال
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة