الرئيسية/آراء/عودة أُخرى: متى تأمن إسرائيل؟
آراء

عودة أُخرى: متى تأمن إسرائيل؟

لقطة الشاشة 2025-03-24 في 12.39.10 م
📸لقطة الشاشة 2025-03-24 في 12.39.10 م
اليوم ميديا

رضوان السيد

أذكر في الثمانينات من القرن الماضي أنّ أحد كبار الساسة في إسرائيل (ربما كان رئيس الوزراء أو وزير الدفاع) قال إن حدود أمن إسرائيل تمتد ما بين مكة وباكستان. فذكر مكة يعني أنّ الإسلام خطر، وذكر باكستان ليس من أجل إسلامها بل من أجل النووي الذي شاع وقتها أنها أنتجته بعلم وخبرة عبد القدير خان الذي يقال إنه أسهم أيضاً في الملفين الليبي والإيراني.

إن الواقع أن اهتمامات إسرائيل الاستراتيجية بعد اتفاقية السلام مع مصر والأردن اقتصرت على الفلسطينيين حتى الانتفاضة الثانية وما بعد في حروب قطاع غزة الطويلة التي لا تزال مستمرة. لكن بالتدريج، وإلى جانب النووي الإيراني، ظهرت قصة الأذرُع الإيرانية، وأهمها «حزب الله»، ثم أُضيف إليها الإيرانيون و«الحزب» في سوريا، ثم الميليشيات (الحشد الشعبي) العراقية الموالية لإيران، وأخيراً اليمن الذي يشتد الصراع مع الحوثيين فيه هذه الأيام.

قصة إسرائيل مع «حماس»، وهل هي خطر، معقدة. فقد كانت إسرائيل تعتبر أبو مازن الذي أنجز معها اتفاقيات أوسلو (1993) هو العدو الرئيسي، وتقيم الهُدَن مع «حماس»، وتشن عليها الحروب ثم تتفق معها في مقابل التهدئة أن توصلَ إليها أموالاً للتهدئة!

مع هجمة 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، اندلعت حرب ضروس ومعها هُجاس الأمن الإسرائيلي، وعلى ثلاثة أو أربعة مستويات. قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يقاتل على سبع جبهات، ومعظمها المقصود بها الأذرع الإيرانية التي تقول بوحدة الساحات. ولأنها في معظمها على حدود إسرائيل أو قريبة من تلك الحدود فقد هدفت الحملة إلى جانب إفراغ تلك الجبهات من المسلحين، منع إعادة تسليحهم وتعريض أمن البلدان التي تحتضنهم للخطر، لكي تكف عن الاحتضان. لكنّ اليمين الإسرائيلي الأمني والسياسي لم يكتفِ بذلك بل صار يفكر بمصائر دول الجوار ذاتها وكيف يمكن تفكيكها أو تصديعها ومن طريقين: بالضربات المباشرة بحجة أنّ تلك الدول تحتضن الإرهاب – والأسلوب الثاني محاولة تفكيك وحدة تلك الدول من طريق أقلياتها، وإغراء تلك الأقليات؛ إما بالاستقلال أو بدء نزاع مسلّح مع الإدارات المركزية للدول، أو الإقناع بتمردات من هنا وهناك. نحن نعرف أنه في الخمسينات أراد الإسرائيليون القيام بهذه اللعبة مع لبنان وبشكلٍ آخر مع مصر.

ما عاد أحدٌ يمكنه التفرقة أو التمييز بين القَصص المسلِّي بمسألة المؤامرة وما هو خطط حقيقية، وذلك في الاجتذاب بالقوة للتطبيع الآن، بينما تصر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التذكير باتفاقيات السلام باعتبارها متعددة الأطراف، وهي أجدى من الحرب والإرغام بالسلاح. لكن الجميع يعرف أنه بعد الحرب على غزة وعلى الضفة وعلى لبنان؛ فإنّ التطبيع صار أصعب، مهما بلغ ضعف الدول وتبعيتها. إنما من غير المعروف ما هو أصل قصة التهجير وكيف يمكن أن يدعو لها عاقل (؟). وقد قال بها ترمب عن غزة، وسارع نتنياهو للاستحسان ومدّ الخطة إلى الضفة وحتى إلى الفلسطينيين ما وراء الخطّ الأخضر. هؤلاء سبعة أو ثمانية ملايين؛ فإلى أين يمكن أن يذهبوا ومن يستطيع تحملهم (؟). ثم لو فرضنا أنه جرى تدبير تهجير نصف مليون من غزة، فماذا سيفعل الباقون، وهل سيكونون أقل إزعاجاً لإسرائيل؟ هي تصورات تفوق الخيال لكنها تعكس أمرين: الإحساس العارم بالتفوق مع الدعم الأميركي، وعدم إحساس إسرائيل بالأمان إلى ألا يعود فيها ومن حولها عربي أو مسلم! بيد أن ما يحصل في المفاوضات نصف السرية الآن يُشعر بأن تهجير ترمب كان ابتزازاً، أما عند إسرائيل فهو اعتقاد. يبدو ترمب كأنما يتراجع لصالح التسوية المصرية المدعومة عربياً وإسلامياً. واشتعال الحرب على غزة من جديد بعكس ما يعتقد الإسرائيليون قد يدعم الحلّ المصري.

في الآونة الأخيرة لا حديث إلا عن القوة التركية وتمركزاتها في سوريا، والمحادثات مع الشرع لإقامة قاعدة تركية بنواحي تدمر. يقول متشددون إسرائيليون إنّ الحرب بين إسرائيل وتركيا (على سوريا) لا مهرب منها! ويعني هذا أنّ العالم الإسرائيلي الجديد هو عالم الحرب الشاملة في المنطقة كلها. وصحيح أن الأصوات ضد تركيا متشددة ومحدودة حتى الآن. لكنّ اليقين الإسرائيلي بضرورة الحرب الآن على النووي الإيراني قبل فوات الفرصة. وقد استغرب الإسرائيليون أنّ ترمب في حين شدّد الحصار على النظام الإيراني، كتب لخامنئي عارضاً التفاوض معهم بشروطه بالطبع. وهو الأمر الذي تأباه إسرائيل وتريد الضرب المباشر.

الحرب الدائمة على غزة. والحرب على سوريا الجديدة. والحرب على «حزب الله» بلبنان. والحرب على الحوثيين. والحرب المحتملة على إيران وتركيا. هي الحرب الشاملة إذن، فهل يمكن كسبها؟ ومتى تأمن إسرائيل التي تريد بحسب نتنياهو تغيير وجه الشرق الأوسط؟!

نقلا عن الشرق الأوسط

"
رضوان السيد أذكر في الثمانينات من القرن الماضي أنّ أحد كبار الساسة في إسرائيل (ربما كان رئيس الوزراء أو وزير الدفاع) قال إن حدود أمن إسرائيل تمتد ما بين مكة وباكستان. فذكر مكة يعني أنّ الإسلام خطر، وذكر باكستان ليس من أجل إسلامها بل من أجل النووي الذي شاع وقتها أنها أنتجته بعلم وخبرة عبد
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة