الرئيسية/آراء/الرَّيحانِي والمُؤَسّس: نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا
آراء

الرَّيحانِي والمُؤَسّس: نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا

لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
اليوم ميديا

تركي الدخيل

كَمَا ارتَفَعَتْ مَوْجَةُ الافتخَارِ بِالأَحْسَابِ، ظَهَرَتْ فِي الشّعْرِ العَرَبِيّ الأبياتُ مَا يُؤكّدُ قَائِلُوهَا أنَّهمْ، عَلَى رَغمِ كَرَمِ أنْسَابِهمْ، لَا يَتَّكِلُونَ عَلَى هَذهِ الأَحْسَابِ. مِنَ الأبيَاتِ الَّتِي أكَّدَتْ فَخْرَ أصْحَابِهَا بمَا يَفْعَلُونَ هُم، لًا بِمَا يَرِثُونَ مِنْ أسْلَافِهِمْ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَسْنَا وإِنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْ يَوماً عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ

نَـبْـنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَـبْـنِـي وَنَفْعَلُ مِثْلَمَا فَعَلُوا

يَقُولُ: إنَّنَا وإنْ كَانَتْ أحْسَابُنَا عَالِيَةَ المَقَامِ، كَرِيمَة الجُذُورِ، لَا نَسْتَنِدُ فِيمَا نَعْتَزُّ بِهِ عَلَى الأَحْسَابِ، ولَا نَتَّكِئُ وَلَا نَتَّكِلُ عَلَيهَا. وَبيَانُهُ كَرَمَ أحْسَابِهِمْ، لِتَأكِيدِ عَدَمِ الاسْتِنَادِ علَى الأَحسَابِ، لَيسَ لِتَوَاضِعِ هَذِه الأَحْسَابِ، بلْ قَنَاعَةٌ بأنَّ الفَخرَ يَكونُ بمَا يقدّمُهُ المَرْءُ مِنْ كَرِيمِ الأَفْعَالِ، مُضِيفاً: (وَنفعَلُ مثلَمَا فَعلُوا)، من الأفعالِ الجَليلةِ، ونتحلَّى مثلَهمْ بِجمِيلِ الخِصَالِ، ونَبِيلِ السَّجَايَا والأفْعَالِ.

إنَّ الشَّاعِرَ حَرِيصٌ علَى تَأكيدِ أنَّهُمْ إضافةً للأوَائلِ، يُقَدّمُونَ لِكرِيمِ أحْسَابِهمْ مَا يزيدُها كَرَماً بِفعلِهمْ هُمْ، لَا بِمجرَّدِ فَخرٍ بِسجلّ الآبَاءِ المُتقدّمِينَ، بل بِفعلٍ كَفِعلِ الأوَائل.

ويُطلقُ علَى المُتقَدّمِينَ من الآبَاءِ والأجْدَادِ مُسَمَّى (الأوَائل)، لأنَّ حَياتَهمْ كَانَتْ الأولَى مُقارنةً بِمَنْ بَعدَهم. البَيتَانِ، مثل مُعظمِ الشّعرِ العَربِيّ، مُختَلفٌ فِي نِسبتِهِمَا، بينَ شَاعريْنِ أُمَوِيَّيْنِ، هُمَا: عبدُ اللهِ بنُ معاويةَ بن عبدِ الله بنِ جعفر بنِ أبِي طَالب (ت131 هـ)، والمُتوكلُ اللَّيثيّ (ت 85 هـ).

وَللبيتَيْنِ قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ، جَرَتْ أَحْدَاثُهَا عندمَا زَارَ المُؤرّخُ أمِينُ الرَّيْحَانِي، المُؤسّسَ المَلكَ عبدَ العزيزِ آل سعود، فِي نَجد عام 1924، وكَانتْ زِيارتُه هِي مَادةَ مَا كَتبَ عنْ عبدِ العَزيز، فِي كِتَابِهِ «ملوكُ العرب»، الذِي نشرَهُ عَامَ 1925، وَعَامُنَا الحَالِي 2025 هوَ عَامُ مِئويةِ الكِتَابِ.

لَاحظَ الرَّيحاني، أنَّ أبْيَاتًا مِنَ الشّعْرِ تُكتَبُ فِي مَجَالسِ نَجْدٍ، وَعَلَى مَدَاخِلِ القُصُورِ، منهَا بَيتَانِ، قَالَ إنَّ فيهمَا مَزِيجاً منَ الحِكمَةِ وَمِنَ الخَطَلِ.

وَكَتبَ الرَّيحَانِي، فَقَالَ: «قرأت مرةً في حضور السُّلطان ما كُتِب فوق بابه:

لسنا وإنْ كَرُمتْ أوائِلُنا يومًا على الأنسابِ نتَّكِل جاء مغلوطًا مبنًى لا معنى، فقلتُ، والمعنى ما يهم: ليس أشرف منه مبدأ يا مولاي، ولا أجمل منها حكمة! وإني أجلُّكم وأحترمُ أهلَ نجد؛ لأنَّهم يعملون بها، ولأنَّ السيادةَ والمجد في بيت آل سعود نشأ عنها ولكن البيت الثاني يا مولاي:

نَبني كَمَا كانتْ أوائِلُنا تَبني وَنَفعلُ مثلَمَا فَعلُوا

هَا هنَا الخطَلُ، هَا هنَا المستنقعُ الذي تنتشرُ منه جراثيمُ أمراضِنا الاجتماعية والسياسية والدينية، وإنَّا إذا تساهَلْنا في تحليل البيت وتفسيره، نسلّم بنصفه الذي لا شكَّ ينفع الشرقيين العملُ به؛ إذ لا أظن أنّنا نستطيع نبْذَ الماضي كلّه بحذافيره، فلا بأس أن نبنيَ كمَا كانت تبنِي أوائلُنا، أن تكونَ حكومتُنا ملكيةً مثلًا، ولكن فقاطعَني عظمتُه، قائلًا:

نَحنُ نبنِي يا حضرةَ الأستاذ، كمَا كانتْ تبنِي أوائلُنا، ولكنَّنا نفعلُ فوقَ مَا فعلُوا».

وَأمرَ الملكُ بتعديلِ البيتِ، ليكونَ:

نَبني كَمَا كَانتْ أوائِلُنا تَبنِي وَنَفعَلُ «فَوقَ» مَا فَعلُواوَرَوَى المَلكُ فهد بنُ عبدِ العَزيز، أنَّ والدَهُ كَانَ يُرَدّدُ البَيتَ السَّابِقَ، بِكَلِمَةِ (فَوق) مَا فَعَلُوا.

وَاعتبرَ الدُّكتُورُ عَبدُ اللهِ الغذامِي، تَغييرَ المَلكِ عَبدِ العَزِيزِ عِبَارةَ (مِثلَمَا فَعَلُوا) إلَى (فَوقَ مَا فَعَلُوا)، يُمَثّلُ وَعْياً مُبَكّراً مِنْ قِبَلِ المُؤسّسِ، بقيمةِ التَّطْوِيرِ وَبِناءِ دَوْلَةٍ حَدِيثةٍ، لَا تَكُونُ نَمَطِيَّةً تُكَرّرُ مَا فَعَلَ السَّابِقُونَ. وَقَالَ الكَاتِبُ العِرَاقِي الرَّاحِلُ خَالِدُ القَشْطِينِي إنَّ أسْلوبَ الرَّيحَانِي اتَّصَفَ بِالطَّرَافَةِ وَدِقَّةِ المُلَاحَظَةِ، مُمَثِلًا بِقِصّتِنَا ذَاتِهَا، إذِ انطَلقَ الرَّيْحَانِي مِنْ بَيتِ الشّعْرِ لِيَخُوضَ مَعَ المَلِكِ حِوَاراً فَلسَفياً بَنَّاءً.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
تركي الدخيل كَمَا ارتَفَعَتْ مَوْجَةُ الافتخَارِ بِالأَحْسَابِ، ظَهَرَتْ فِي الشّعْرِ العَرَبِيّ الأبياتُ مَا يُؤكّدُ قَائِلُوهَا أنَّهمْ، عَلَى رَغمِ كَرَمِ أنْسَابِهمْ، لَا يَتَّكِلُونَ عَلَى هَذهِ الأَحْسَابِ. مِنَ الأبيَاتِ الَّتِي أكَّدَتْ فَخْرَ أصْحَابِهَا بمَا يَفْعَلُونَ هُم، لًا بِمَا يَرِثُونَ مِنْ أسْلَافِهِمْ، قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَسْنَا وإِنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْ يَوماً عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ نَـبْـنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَـبْـنِـي وَنَفْعَلُ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة