الرئيسية/آراء/هل يوجد توقيت غير مريب لبث الاعترافات؟
آراء

هل يوجد توقيت غير مريب لبث الاعترافات؟

لقطة الشاشة 2025-04-29 في 9.42.33 م
📸لقطة الشاشة 2025-04-29 في 9.42.33 م
اليوم ميديا

عبد الرحمن الراشد

تهرباً من التعامل مع ما كشفه التسجيل بين عبد الناصر والقذافي لعام 1970، ومن باب الإلهاء، حوّلوا القصة إلى جدل بيزنطي: لماذا الآن؟ وهل هناك نية خبيثة من وراء التوقيت!

الزعيم المصري الراحل كان، واستمر، أيقونة جبهة الرفض ورمز دعاة الحرب، لكن في اللقاء سمعناه يقول للقذافي: اذهب إلى بغداد وقل لهم إنه يفضّل السلام والاعتراف بإسرائيل مقابل استرداد أراضيه المحتلة، و«إذا كان حد عايز يكافح ما يكافح!».

لماذا ظهر التسريب الآن بعد 55 عاماً؟ بالمنطق، لا يوجد هناك توقيت مريح، فالمنطقة منذ ذلك اليوم وإلى اليوم في أزمات. مثلاً، لو ظهر قبل خمس سنوات، لقيل، آه، هذا تبرير للاتفاقات الإبراهيمية واعتراف الإمارات والبحرين بإسرائيل!

ولو ظهر قبل أربع سنوات لقيل سُرّب ليغطي على خروج الأميركيين من أفغانستان!

ولو نشر قبل ثلاث سنوات لزعموا أنه لإلهاء المنطقة عن زلزال المظاهرات في طهران، أو أحداث كأس العالم في الدوحة!

ولو بث قبل سنتين لقيل بالتأكيد هو موجه ضد «طوفان الأقصى» والسنوار.

ولو نُشِر السنة الماضية لقيل توقيته مع مقتل حسن نصر الله، وهكذا. لا نعرف سنةً جميلةً وهادئةً ترضي من يشكك بأنه توقيت خبيث.

القصة هي أن عبد الناصر كان من رفع شعار «ما يؤخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة»، لكنه هُزم في كل جولات الحروب، حتى معارك الاستنزاف. أدرك خطأ شعاره والثمن الكبير الذي دفعته مصر والمصريون لهذه المفاهيم غير الواقعية. ففي كل مرة يشن حرباً، كان يخسر المزيد. أخيراً قال لنفاوض ونساوم ونعترف.

رحّب عبد الناصر بمبادرة الوزير الأميركي روجرز والمبعوث الأممي يارنغ، وشرع في الحديث عن حل سياسي يعكس قناعاته الجديدة. هنا غضب منه «تلاميذه» قادة العراق والجزائر وليبيا، شتموه ووصفوه بالاستسلامي. اجتمع بالقذافي وحمّله رسالة: اذهب إلى بغداد وأبلغهم أنني استسلامي وانهزامي وسأكتفي بالمفاوضات عن مصر لاسترداد سيناء المحتلة، ولن أسعى إلى حل مشكلة الضفة الغربية وغزة. وعلى المزايدين من رؤساء العراق والجزائر واليمن الجنوبي وسوريا أن يحاربوا هم إذا هم عايزين يحاربوا، وأنا مستعد أدعمهم مالياً.

هذا الحديث للأسف نُشر متأخراً وليس مبكراً! ليت العرب سمعوه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، أكانوا الموهومين بالناصرية الأولى، أو الذين تديرهم موجات الأثير، واليوم السوشيال ميديا. لم يكن خطأ عبد الناصر فقط أنه قاد الشارع نحو فكرة الحرب لعقد ونصف العقد ثم انسحب في آخر عمره، لا بل كانت له أفكاره الأخرى. مثلاً، أمّم اقتصاد بلاده بعد أن كان مزدهراً مثل اليابان. وقام بعسكرة المجتمع. واحتضن قيادات متطرفة، مثل القذافي، حتى تكاثر فيروس التطرف وانتشر. في الأخير نضج عبد الناصر بسبب الضربات المؤلمة. صار يدرك أنه لو استمع للبكر والقذافي والشارع لكان ذلك سيوصل الإسرائيليين إلى أبواب القاهرة، حيث لم تعد عنده دفاعات أرضية، ولا سلاح جوي، ولا حتى طيارون!

أدرك أن رفاقه الثوريين، القذافي والبكر والأتاسي، يريدون استخدامه، ودفعه للحرب إلى آخر جندي مصري. كما اكتشف أن خصومه، مثل الملك فيصل، الذي حاربه سبع سنوات وحاول إسقاط مملكته بشتى السبل، وقف معه في السنوات التي أعقبت هزيمته. الاثنان دفنا الخلاف وفتحا صفحة جديدة.

بعد ظهور هذه الحقائق والتسريب الصادم، هل سيعم المنطق وتنتشر العقلانية؟ الإجابة لا. رأينا العام مغرر به. أولاً، لن يسمع التسجيل ويعيه ويتعظ منه سوى بعضهم. وثانياً، هناك بذرة تطرف قديمة ومستمرة لا علاقة لها بعبد الناصر. كلهم مثل عبد الناصر. عرفات نضج سياسياً عندما بلغ من العمر 64 وضيّع الكثير من الفرص. حافظ الأسد أصبح واقعياً عندما صار عمره 69 عاماً، وسعى للتفاوض مع كلينتون!

«التسجيل» لن يغيّر واقعاً يهيمن عليه الراديكاليون، لكنه مهم في النقاش السياسي الواقعي، ولتصحيح الرواية التاريخية، ويبرهن على خطأ ما فعله السنوار ونصر الله، هما من نكب ودمر غزة ولبنان ومكّنا إسرائيل من حكم المنطقة.

للنقاش بقية عن الوديعة التي تركها عبد الناصر عند خلفه السادات.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط

"
عبد الرحمن الراشد تهرباً من التعامل مع ما كشفه التسجيل بين عبد الناصر والقذافي لعام 1970، ومن باب الإلهاء، حوّلوا القصة إلى جدل بيزنطي: لماذا الآن؟ وهل هناك نية خبيثة من وراء التوقيت! الزعيم المصري الراحل كان، واستمر، أيقونة جبهة الرفض ورمز دعاة الحرب، لكن في اللقاء سمعناه يقول للقذافي: اذهب إلى بغداد وقل لهم
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة