الرئيسية/آراء/كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار!
آراء

كَبدٌ مَقرُوحَةٌ وَعَينٌ لَا تُعَار!

لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
📸لقطة الشاشة 2024-12-27 في 10.30.00 م
اليوم ميديا

تركي الدخيل

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟ أَرَأَيْـتَ عَـيْنًا لِلْـبُكَاءِ تُعَارُ؟

هَذَا بَيْتُ شِعْرٍ آسِرٌ، لِلشَّاعِرِ النَّجْدِيِّ: العَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ، يُبْدِعُ فِيهِ بِتَنَاوُلِ مَعْنًى لَطِيفٍ، لَمْ يُطْرَقْ قَبْلَهُ.

لَقَدْ أَكْثَرَ العُشَّاقُ الحَدِيثَ عَنِ الدُّمُوعِ، وَلَكِنَّهُ هُنَا، يَتَكَلَّمُ عَنِ النُّضُوبِ عَنْ بُكَاءٍ طَالَ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنٌ تَبْكِي فَيَقُولُ مَا مَعْنَاهُ:

أَمَا فَكَّرْتَ أَنْ تَسْتَعِيرَ عَيْنًا؟ لَا بَأْسَ، وَلَكِنْ مَنْ يُعِيرُكَ عَيْنَهُ؟ أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟ لَمْ يَقُلْ: تُعَارُ لِلْبُكَاءِ، بَلْ قَالَ: لِلْبُكَاءِ تُعَارُ. فَالْبُكَاءُ هُوَ سَبَبُ الْإِشْكَالِ، وَلَيْسَ الْإِعَارَةُ.

وَمَا قَامَتِ الْقَضِيَّةُ عَلَيْهِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ دُونَ شَكّ!

لَا يَقُولُ إِنَّ الْعُيُونَ لَا تُعَارُ، بَلْ يُخَصِّصُ الْإِعَارَةَ لِلْبُكَاءِ بِسُؤَالِهِ الِاسْتِنْكَارِيِّ، لِأَنَّ بُكَاءً عَلَى هَذَا النَّمَطِ هُوَ أَقْصَى حُدُودِ الْإِعْيَاءِ.

لَقَدْ قَالَ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ:

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟

إِذْ هُوَ مُتَعَاطِفٌ مَعَ مَنْ يُخَاطِبُهُ، مُتَفَاعِلٌ مَعَ مُشْكِلَتِهِ، فَابْتَدَأَ بَيْتَهُ بِالتَّفْكِيرِ الْعَمَلِيِّ فِي الْحَلِّ، مِمَّا اقْتَضَى سُؤَالَهُ، السَّابِق!

وَمِنَ التَّجَنِّي عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، زَعَمَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، أَنَّهُ أَخَذَ الْمَعْنَى مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَلِي كَبِدٌ مَقْـرُوحَةٌ مَنْ يَبِيْعُنِـي بِهَا كَبداً لَيْسَتْ بِذَاتِ قُـرُوْحِ

أَبَى النَّاسُ وَيْحَ النَّاسِ أَنْ يَشْتَرُوْنَهَا وَمَنْ يَشْتَرِي ذَا عِـلَّـةٍ بِصَحِيْحِمَقْرُوحَةٌ: أَيْ مَجْرُوحَةٌ. وَقُرُوحٌ: جُرُوحٌ. وَأبَقَى عَلَى النُّونِ فِي (يَشتَرُونَهَا) لِلضَّرُورَةِ الشّعْرِيَّة، أَيْ أنَّه لَوْ أَبْقَاهَا لاخْتَلَّ وَزْنُ البَيْتِ.

وَالْبَيْتَانِ لِابْنِ الدُّمَيْنَةِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَيُنْسَبَانِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ لِمَجْنُونِ لَيْلَى، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ لِلْحُسَيْنِ بْنِ مُطَيْرٍ الْأَسَدِيِّ.

وَرُغْمَ الْخِلَافِ فِي قَائِلِ الْبَيْتَيْنِ، فإنَّ أَحَداً لَمْ يَقُلْ بِنِسْبَتِهِمَا إِلَى الْأَخْطَلِ الصَّغِيرِ، قَبْلَ أُسْتَاذِنَا سَمِيرِ عَطَا اللهِ، فِي مَقَالِهِ يَوْمَ الأحد 11 مَايُو 2025، وَفِيهِ اشْتَكَى «الِانْسِدَادَ»، وَلَعَلَّهُ سَبَبُ رِوَايَتِهِ الْبَيْتَ قَائِلًا:

وَلِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ مَنْ لِي بِكَبِدٍ لَيْسَتْ بِذَاتِ قُرُوحِ

وَيَبْدُو أَنَّ «الْمَقْرُوحَ» هُوَ وَزْنُ الْبَيْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ الأُسْتَاذُ، وَقَاهُ اللهُ شَرَّ كُلِّ انْسِدَادٍ وَمَقْرُوحٍ.

وَالْأَخْطَلُ الصَّغِيرُ، هُوَ الشَّاعِرُ اللُّبْنَانِيُّ، الْفَحْلُ الْمَطْبُوعُ؛ بِشَارَةُ عَبْدِ اللهِ الْخُورِي (1885 – 1968)، وَأَحْسَبُ أَنَّ الْأُسْتَاذَ سَمِيرَ نَسَبَ لَهُ الْبَيْتَ لِحُضُورِ مُفْرَدَةِ (الْكَبِدِ) فِي شِعْرِهِ. فَلَهُ قَصِيدَةٌ يَحْكِي فِيهَا قِصَّةَ وَلَدٍ غَرِقَ فِي غَيَاهِبِ السُّكْرِ، فَمَا وَقَفَ مَعَهُ غَيْرُ أُمِّهِ، الَّتِي نَقَلَ لَنَا الشَّاعِرُ أَحَاسِيسَهَا، بِالْقَوْلِ:

قَالَتْ لَهُ: نَمْ نَمْ لِفَجْرِ غَدِ ضَعْ رَأْسَكَ الْوَاهِي عَلَى كَبِدِي

نَمْ، لَا تُسَلِّطْ يَا حَبِيبُ عَلَى مَخْمُورِ جِسْمِكَ قِلَّةَ الْجَلَدِ

وَمِنْ قَلَائِدِ قَصَائِدِ الْأَخْطَلِ الصَّغِيرِ، مَرْثِيَّتُهُ فِي أَحْمَدَ شَوْقِي، وَمَطْلَعُهَا بَدِيعٌ، يَقُولُ فِيهِ:

قَالَ الْمَلَائِكُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُمْ:

هَذَا هَوَى الشَّرْقِ هَذَا ضَوْءُ نَاظِرِهِ

وَكَانَ شَوْقِي سَأَلَ الْأَخْطَلَ الصَّغِيرَ أَنْ يَرْثِيَهُ، فَجَاءَتِ اسْتِجَابَةُ صَدِيقِهِ وَجَعاً فِي كَبِدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَبِدًا مَقْرُوحَةً، فَقَالَ خَاتِماً مَرْثِيَتَهُ:

سَأَلْتَنِيْهِ رِثَاءً خُذْهُ مِنْ كَبدِي

لَا يُؤْخَذُ الشَّيْءُ إِلَّا مِنْ مَصَادِرِهِ!

وَإِذَا كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ يَتَسَاءَلُ بِحَسْرَةٍ:

مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟

فَإِنَّنَا نَجِدُ فِي بَيْتٍ بَدِيعٍ لِلصِّمَّةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْقُشَيْرِيِّ تَعَامُلاً مُخْتَلِفاً مَعَ فِعْلِ الْبُكَاءِ:

بَكَتْ عَيْنِي الْيُسْرَى فَلَمَّا زَجَرْتُهَا

عَنِ الْجَهْلِ بَعْدَ الْحِلْمِ أَسْبَلَتَا مَعَا

إِنَّ فِعْلَ (الزَّجْرِ) فِي البَيْتِ يَحْمِلُ مَعْنًى أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ الْمَنْعِ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى التَّأْنِيبِ وَالنَّهْرِ. وَاستدعى زَجْرَ عَيْنِهِ، لِأَنَّهَا اسْتَمْرَأَتِ البُكَاءَ وَهِيَ عَالِمَةٌ بِضَرُوْرَةِ وَقْفِهِ.

إِنَّ بُكَاءَ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، بَعْدَ التَّحَلِّي بِالْحِلْمِ، يُنْظَرُ إِلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجَهْلِ، أَوِ الْخِفَّةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الرَّدْعَ

لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُسفِرْ عَنْ مُرَادِ الزَّاجِرِ، إِذْ تَدَاعَتِ العَيْنُ اليُمْنَى لِلبُكَاءِ مَعَ اليُسْرَى، حَتَّى لَا تَحْتَاجَ إِلَى اسْتِعَارَةِ عَيْنٍ لِلبُكَاءِ

أَرَأَيْتَ عَيْنًا لِلْبُكَاءِ تُعَارُ؟!

"
تركي الدخيل مَنْ ذَا يُعِيرُكَ عَيْنَهُ تَبْكِي بِهَا؟ أَرَأَيْـتَ عَـيْنًا لِلْـبُكَاءِ تُعَارُ؟ هَذَا بَيْتُ شِعْرٍ آسِرٌ، لِلشَّاعِرِ النَّجْدِيِّ: العَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَفِ، يُبْدِعُ فِيهِ بِتَنَاوُلِ مَعْنًى لَطِيفٍ، لَمْ يُطْرَقْ قَبْلَهُ. لَقَدْ أَكْثَرَ العُشَّاقُ الحَدِيثَ عَنِ الدُّمُوعِ، وَلَكِنَّهُ هُنَا، يَتَكَلَّمُ عَنِ النُّضُوبِ عَنْ بُكَاءٍ طَالَ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنٌ تَبْكِي فَيَقُولُ مَا مَعْنَاهُ: أَمَا فَكَّرْتَ أَنْ تَسْتَعِيرَ
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة