الرئيسية/آراء/رجل المرحلة الضائعة!
آراء

رجل المرحلة الضائعة!

لقطة الشاشة 2025-05-19 في 7.16.11 م
📸لقطة الشاشة 2025-05-19 في 7.16.11 م
اليوم ميديا

✍️ محمد فال معاوية

في بلد تتصارع فيه الأجندات وتتناسل فيه الحكومات، يبرز سؤال واحد: من هو رجل المرحلة؟ وبين من رُشّحوا، ومن انسحبوا، ومن ينتظرون على عتبات الصفقات، يضيع العنوان وتتوارى القيادة.

فهل باتت ليبيا بلا رجل؟ أم أن المرحلة نفسها ضائعة، تتقاذفها القوى وتعيد رسم ملامحها المصالح؟

وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز عبد الحميد الدبيبة كأحد أبرز اللاعبين، لكنه ليس بالضرورة اللاعب الأمثل. فمنذ أن تولّى رئاسة الحكومة الانتقالية، تحوّلت طرابلس إلى ساحة مناورة مفتوحة، وبدأت رقعة الشطرنج الليبية تشهد تحركات مشبوهة، وقرارات أحادية، وتحالفات تثير القلق.

وبينما تتهاوى فرص الاستقرار وتزداد الهوة بين مؤسسات الدولة، يبدو أن الدبيبة ماضٍ في تحريك البيادق بما يخدم بقاءه، ولو كان الثمن تفكك الدولة وضياع مستقبل الليبيين.

حين تسلم عبد الحميد الدبيبة مهامه كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية في فبراير 2021، كان يفترض أن تكون حكومته جسر عبور إلى الانتخابات، لا حجر عثرة في طريقها. غير أن الواقع رسم صورة مختلفة: فقد تحوّل من رئيس مؤقت إلى لاعب رئيسي لا يخفي رغبته في البقاء، حتى لو تطلّب ذلك تعطيل الانتخابات، ومساومة الداخل والخارج على حساب استحقاقات الليبيين.

رفض الدبيبة تسليم السلطة إلا لحكومة “منتخبة” بدا خطوة ديمقراطية في ظاهرها، لكنها عملياً أعادت البلاد إلى مربّع الانقسام، حيث تصاعدت المواجهات السياسية بين حكومته، وحكومة فتحي باشاغا المعيّنة من البرلمان، ما أدى إلى ازدواجية تنفيذية عادت لتنهش مؤسسات الدولة، وتضعف قدرتها على الحكم.

في مشهد لا يختلف كثيرًا عن أنظمة الحكم الشخصي، بدأ نفوذ عائلة الدبيبة يتوسع داخل مفاصل الدولة. تقارير متكررة تشير إلى تدخل أبناء وأقارب رئيس الحكومة في قطاعات حيوية كالاقتصاد والطاقة والتعيينات السيادية، ما يثير شكوكاً حول نية واضحة في تحويل الحكومة إلى مشروع عائلي طويل الأمد.

في الوقت نفسه، عمد الدبيبة إلى نسج تحالفات انتقائية مع قوى مسلحة في الغرب الليبي، لتأمين بقائه السياسي، حتى لو كان الثمن تسليم القرار السيادي لجماعات تتقاطع مصالحها أحياناً مع شبكات تهريب وفساد وميليشيات منفلتة.

لم تكن القوى الدولية بعيدة عن رقعة الشطرنج الليبية، بل شكّلت جزءاً أساسياً من تحريكها. الدبيبة، بخبرته في التوازنات، عمل على استرضاء أطراف إقليمية متنافرة، ما جعله “مقبولاً” لبعض العواصم، رغم فشله الداخلي في فرض الاستقرار أو إجراء انتخابات.

في ظل غياب مشروع وطني واضح، تبدو ليبيا اليوم ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يلعب، بينما تبقى مصالح الليبيين مؤجلة، وأحلام الدولة المدنية عرضة للتلاشي.

في ظل انسداد الأفق السياسي، وتحول الحكومة المؤقتة إلى سلطة أمر واقع، يبرز سؤال محوري: ما الذي ينتظر ليبيا بعد الدبيبة؟ هل هي بداية لتحول ديمقراطي حقيقي طال انتظاره، أم مجرد انتقال من فوضى إلى فوضى أشد؟

السيناريوهات متعددة، لكن أخطرها يتمثل في بقاء الوضع الراهن بلا حسم، حيث تتآكل شرعية المؤسسات، وتتغوّل المليشيات، وتنهار الثقة الشعبية في أي مشروع وطني. وفي حال استمر الرهان على الشخص لا الدولة، فإن ليبيا مهددة بفقدان ما تبقى من سيادتها، وتحولها إلى ساحة نفوذ تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية.

وحده الحل السياسي الشامل، المرتكز على انتخابات حقيقية وقيادة وطنية تتجاوز منطق المحاصصة، يمكن أن يُخرج ليبيا من هذه الرقعة المحترقة. أما استمرار لعبة الشطرنج الحالية، فسينتهي عاجلاً أو آجلاً بسقوط جميع القطع بمن فيهم اللاعب نفسه.

"
✍️ محمد فال معاوية في بلد تتصارع فيه الأجندات وتتناسل فيه الحكومات، يبرز سؤال واحد: من هو رجل المرحلة؟ وبين من رُشّحوا، ومن انسحبوا، ومن ينتظرون على عتبات الصفقات، يضيع العنوان وتتوارى القيادة. فهل باتت ليبيا بلا رجل؟ أم أن المرحلة نفسها ضائعة، تتقاذفها القوى وتعيد رسم ملامحها المصالح؟ وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز عبد
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة