الرئيسية/آراء/طموح أبوظبي يعيد تشكيل موازين القوة الرقمية
آراء

طموح أبوظبي يعيد تشكيل موازين القوة الرقمية

لقطة الشاشة 1446-05-21 في 8.58.23 م
📸لقطة الشاشة 1446-05-21 في 8.58.23 م
اليوم ميديا

محمد فال معاوية

في قلب الصحراء الخليجية، تبني الإمارات مجمعاً لا يشبه سواه في الشرق الأوسط: مجمع الذكاء الاصطناعي في أبوظبي، الذي لا يرمز فقط إلى استثمار تقني، بل إلى إعلان دخول البلاد في سباق عالمي على مستقبل القوة والنفوذ. فمن خلال هذا المشروع الطموح، تسعى الإمارات إلى تجاوز أدوارها التقليدية في الاقتصاد والطاقة، وتتموضع لاعبًا جديدًا في حلبة الثورة التكنولوجية.

لم يكن خافيًا أن دولة مثل الإمارات، بثروتها النفطية وموقعها الجيوسياسي، تملك القدرة على القفز فوق المراحل. لكن القفزة نحو الذكاء الاصطناعي بدت أكثر طموحًا مما توقعه الكثيرون. تأسيس مجمع الذكاء الاصطناعي في أبوظبي جاء ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى جعل البلاد مركزًا عالميًا للأبحاث والتطوير، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الدفاع، الأمن، الصحة، والطاقة.

ويبرز في هذا السياق دور (شركة G42)، الذراع التكنولوجي لأبوظبي، التي أصبحت في غضون سنوات قليلة لاعبًا إقليميًا ودوليًا في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك النموذج اللغوي العربي المتقدم “فلك”، والذي تم تقديمه كجزء من المنافسة مع نماذج أميركية مثل (GPT وClaude).

رؤية الإعلام الغربي لطموح أبوظبي التكنولوجي لم تكن موحدة. فبينما تناولت بعض الصحف الكبرى مثل (Financial Times وBloomberg) المشروع الإماراتي بإعجاب وتقدير لقدراته، ظهرت موجة من التحليلات الأخرى التي قرأت في هذا الصعود تقاطعًا حساسًا بين التكنولوجيا والسلطة.

فقد أثار التعاون بين G42 وبعض الجهات الصينية، في مرحلة ما، قلق الولايات المتحدة، ما دفع لاحقًا إلى تغييرات في الشراكات والاستراتيجيات. وقد وصفت (The New York Times) هذا التوجه الإماراتي بأنه “رهان على مستقبل غير مضمون”، بينما اعتبرته (Politico) “جزءًا من منافسة صامتة على من يملك خوارزميات العالم”.

ورغم محاولات الإمارات إظهار استقلالية سياستها التكنولوجية، فإن الضغط الأميركي كان واضحًا، خاصة عندما تعلق الأمر باستخدام البنى التحتية والشرائح الحساسة. وفي هذا السياق، تفسر بعض المصادر انسحاب الإمارات من صفقات تكنولوجية صينية لصالح تعزيز التعاون مع شركات أميركية مثل (Microsoft وOpenAI).

من أبرز مخرجات هذا التوجه الإماراتي كان نموذج “فلك”، أول نموذج لغوي كبير (LLM) متطور باللغة العربية، يمكّن العالم العربي من دخول عصر الذكاء الاصطناعي بلغة الهوية.

ورغم تأخر المنطقة مقارنة بالمشهد العالمي، فإن إطلاق هذا النموذج من أبوظبي وضع الإمارات في موضع ريادة تقني ولغوي، لاقى إشادة وحتى توجساً في بعض الأوساط الغربية، التي تدرك أن للغة والثقافة دوراً في تشكيل المحتوى والتأثير.

المفارقة في نظرة الإعلام الغربي تكمن في سؤالهم المتكرر: هل تسعى الإمارات لتطوير الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية، أم لتعزيز الهيمنة؟

لكن من وجهة النظر الإماراتية، لا يمكن فصل التقنية عن الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. إذ ترى أبوظبي في الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز مكانتها العالمية، وتأمين مستقبل ما بعد النفط، والتحكم بمسارها في عالم يتحكم فيه من يملك البيانات والخوارزميات.

من الواضح أن مجمع الذكاء الاصطناعي في أبوظبي ليس مجرد مبنى أو مشروع، بل فصل جديد في سردية بلدٍ قرر أن يكون رقماً صعبًا في معادلة المستقبل. وبينما يراقب العالم هذا الصعود الحذر، تبقى الحقيقة أن من يتحكم في الذكاء الاصطناعي اليوم، قد يتحكم في قرارات العالم غدًا.

"
محمد فال معاوية في قلب الصحراء الخليجية، تبني الإمارات مجمعاً لا يشبه سواه في الشرق الأوسط: مجمع الذكاء الاصطناعي في أبوظبي، الذي لا يرمز فقط إلى استثمار تقني، بل إلى إعلان دخول البلاد في سباق عالمي على مستقبل القوة والنفوذ. فمن خلال هذا المشروع الطموح، تسعى الإمارات إلى تجاوز أدوارها التقليدية في الاقتصاد والطاقة، وتتموضع
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة