الرئيسية/آراء/الإنسانية في غزة.. نور يتحدى الظلام
آراء

الإنسانية في غزة.. نور يتحدى الظلام

thumbs_b_c_b556f215f0c1f32ba079f91db4edc63e
📸thumbs_b_c_b556f215f0c1f32ba079f91db4edc63e
اليوم ميديا

✍️ محمد فال معاوية

في مهنتي الصحفية، شاهدت مآسي الحروب والكوارث من أفغانستان إلى السودان، ومن أوكرانيا إلى لبنان. لكن لم أشهد في حياتي صورة إنسانية تشبه تلك التي رأيتها في غزة.

ليست غزة فقط ساحة حرب، بل ساحة إنسانية نادرة، يتجلى فيها النُبل البشري في أنقى صوره، وسط أكثر الظروف قسوةً ووحشيةً.

غزة، المدينة المحاصرة منذ سنوات، تحولت إلى رمز عالمي للمعاناة، لكنها في الوقت نفسه أصبحت مسرحًا حيًّا للإنسانية في أنقى صورها. في كل غارة تُهدم بيوت، لكن تُبنى علاقات أقوى.

في كل شارع، هناك من يضمد جراح الآخرين قبل أن يضمد جراحه. في كل حي، هناك من يطهو طعامه البسيط ليقتسمه مع من لا يجد شيئًا. وبين الأنقاض، تنبت قصص لمتطوعين، أطباء، أطفال، وشيوخ يقاتلون الحزن بالحب، واليأس بالأمل.

في كل مجزرة، يظهر من يربّت على كتف الآخر، من يحمل الجريح، من يفتح بيته للنازحين، من يتقاسم الماء والخبز والأمل.

هذه ليست مشاهد دعائية، بل واقع يومي. رأيت بعيني طبيبًا يعالج في ردهة مشفى بلا أجهزة. ورأيت طفلةً تحضن أختها تحت الركام وتهمس: “ما تخافي… إحنا مع بعض”. ورأيت شبابًا يركضون للمساعدة بدل الهرب، لأن الهرب من الإنسانية أصعب من مواجهة الخطر.

في غزة، لا تُمارس الإنسانية من باب الرفاه أو الترف، بل من باب الضرورة الأخلاقية. الناس هناك اختاروا أن يبقوا بشرًا، اختاروا أن يصنعوا من القهر وقودًا للتكافل، ومن الوجع فرصةً لتجسيد الرحمة.

وهنا، تأتي مسؤوليتنا كصحفيين لا لنروي القصف فقط، بل لنوثّق كيف ينهض البشر من تحته ويُبقون على قلوبهم حيّة.

هناك شيء في غزة لا يُقصف: الكرامة. والنخوة. والإنسانية.

قد تُهدم الجدران، وتُقطع الكهرباء، وتُمنع الإمدادات، لكن لا أحد استطاع حتى الآن أن يحاصر قلب أم، أو يُخيف ضمير طبيب، أو يُوقف طفلًا عن رسم علمه على جدار مهدّم.

ختامًا.. بوصفي صحفيًا، قد أروي لك ما حدث. لكن بوصفي إنسانًا، أقول لك: غزة ليست مجرد مأساة. إنها درس عالمي في أن الإنسان، في أقسى الظروف، قادر على أن يكون نورًا.

"
✍️ محمد فال معاوية في مهنتي الصحفية، شاهدت مآسي الحروب والكوارث من أفغانستان إلى السودان، ومن أوكرانيا إلى لبنان. لكن لم أشهد في حياتي صورة إنسانية تشبه تلك التي رأيتها في غزة. ليست غزة فقط ساحة حرب، بل ساحة إنسانية نادرة، يتجلى فيها النُبل البشري في أنقى صوره، وسط أكثر الظروف قسوةً ووحشيةً. غزة، المدينة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة