الرئيسية/آراء/دبي لا تُحاور الإعلام.. بل تعيد تشكيله
آراء

دبي لا تُحاور الإعلام.. بل تعيد تشكيله

image
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم آراء
اليوم ميديا / وكالات

✍️ محمد فال معاوية

في زمن تزداد فيه تعقيدات المشهد الإعلامي العالمي، وفي ظل تحولات جذرية في أدوات ونماذج صناعة الخبر، تبرز دبي اليوم كمنصة حيوية تُعيد تعريف قواعد اللعبة الإعلامية. هنا، في قلب الصحراء التي تحولت إلى واحة الحداثة والتقنية، تُكتب فصول جديدة من إعلام عربي يطمح لأن يكون أكثر استقلالية، تأثيرًا، ووعياً بدوره كصانع للرأي لا مجرد ناقل. القمة الإعلامية التي تنطلق في دبي ليست مجرد لقاء عابر، بل إعلان تحول استراتيجي يعلن أن الإعلام ما بعد الغرب بدأ فصله الأول.

الحدث ليس مجرد تجمع للنخبة، ولا مجرد منصّة استعراضية. إنه لحظة إعلان رمزية، بأن المايكروفون الذي طالما احتكره الغرب لم يعد وحيدًا في الساحة، وأن للإمارات – ومن ورائها دول عربية تطمح للتموقع إعلاميًا – صوتًا وخطابًا وشكلًا آخر للسرد.

لقد ظل الإعلام العربي لعقود حبيس ردود الفعل، يستهلك القوالب الغربية في التغطية والتحليل، ويغرف من سرديات الآخر بدل أن يصوغ روايته. اليوم، وفي ظل التحولات التكنولوجية والجيوسياسية، تطرح قمة دبي سؤالًا وجوديًا: من يملك السرد؟ من يصنع الرواية؟ ومن يحق له الحديث باسم “الحقائق” في عالم يتراجع فيه اليقين، وتتقدم فيه الخوارزميات؟

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لم يُخفِ، في كل المناسبات السابقة، قناعته بأن الإعلام ليس زينة الدولة، بل محرك من محركات قوتها الناعمة. في رؤيته، للإعلام وظيفة تتجاوز الخبر، نحو الإلهام، والتأثير، وصياغة التوازن بين الهوية والانفتاح.

الإعلام الغربي، الذي لطالما قدم نفسه حَكمًا على الأحداث، يجد نفسه اليوم مضطرًا لمراقبة صعود قوى إعلامية جديدة من خارج أسواره التقليدية. دبي – بما تمثله من نموذج تنموي وسياسي متماسك – تُفاجئ الغرب بقدرتها على إنتاج خطاب متماسك، مدعوم بالمنصات، بالكوادر، وبالمؤسسات.

لكن الغرب، كعادته، لا يسلّم بسهولة. فبين سطور بعض التغطيات الغربية للقمة، يظهر قلق مكتوم: هل الإعلام الذي يخرج من الخليج مستقل فعلًا؟ هل الحوكمة الإعلامية التي تجمع بين الانضباط المهني والقيادة السياسية قادرة على إنتاج نموذج قابل للتصدير؟ أم أن ما يحدث في دبي هو فقط إعادة إنتاج لصورة حديثة من الإعلام الرسمي، ولكن بوجه ناعم وتقنيات متقدمة؟

السؤال اليوم لم يعد: ما هي الحقيقة؟ بل: من يكتبها؟ ومن يُصدّقها؟ ومن يملك أدوات نشرها؟ في هذا السياق، تصبح القمة الإعلامية في دبي لحظة مفصلية. لا لأنها ستنهي هيمنة الغرب على الخطاب، ولكن لأنها تكسر احتكار السرد، وتطرح على الطاولة بدائل جديدة، قائمة على المهنية من جهة، وعلى الخصوصية الثقافية والسياسية من جهة أخرى.

وختاماً: قد لا تُحدث قمة دبي انقلابًا لحظيًا في بنية الإعلام العالمي، لكنها بكل تأكيد تُعلن أن زمن الصوت الواحد انتهى. وأن هناك شرقًا يتكلم، لا ليجادل الغرب، بل ليبني لنفسه حضورًا، وخطابًا، ومكانًا في خارطة التأثير الإعلامي العالمي.

في دبي، تُكتب فصول جديدة من إعلام ما بعد الغرب.. والسؤال: من سيتقن قراءتها؟

"
✍️ محمد فال معاوية في زمن تزداد فيه تعقيدات المشهد الإعلامي العالمي، وفي ظل تحولات جذرية في أدوات ونماذج صناعة الخبر، تبرز دبي اليوم كمنصة حيوية تُعيد تعريف قواعد اللعبة الإعلامية. هنا، في قلب الصحراء التي تحولت إلى واحة الحداثة والتقنية، تُكتب فصول جديدة من إعلام عربي يطمح لأن يكون أكثر استقلالية، تأثيرًا، ووعياً بدوره
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة