الرئيسية/آراء/هل يُخيف كيم جونغ أون ترامب؟
آراء

هل يُخيف كيم جونغ أون ترامب؟

image
📸تغطية مصورة للتطورات السياسية والقرارات الصادرة في الأوساط الدبلوماسية
اليوم ميديا / وكالات

سليمان الراشدي

في أقصى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الكورية، حيث تهمس الرياح بأسرار لا تُقال، يرقد هيكل سفينة حربية ضخمة على خاصرتها، كأنها حوتٌ معدني جريح لفظه البحر إلى اليابسة. تلك السفينة، التي أرادها كيم جونغ أون أن تكون أيقونة لعصر بحري جديد، تحوّلت في لحظة خاطئة إلى رماد الحلم وصدى الفضيحة.

لكنّ الحادثة لم تكن مجرد خلل ميكانيكي. فصور الأقمار الصناعية كشفت عن عشرات “البالونات البيضاء” التي تطفو حول السفينة الغارقة، كأشباح تُحرّس سرًا غامضًا. ليست أدوات إنقاذ فحسب، بل رسائل مشفّرة في مياه المواجهة الدولية: كوريا الشمالية لا تُخفي إخفاقها، بل تعرضه كاستعراض للقوة والقدرة على التحدي.

السؤال الذي يطفو هنا: هل هذه البالونات محاولة للتستر على السفينة من أعين الطائرات الأميركية المسيّرة؟ أم أنها جزء من عرض مسرحي موجّه بعناية إلى شخص واحد في واشنطن: دونالد ترامب؟

ترامب، الذي عاد إلى سدة الحكم محمّلًا بوعود الهيبة واستعادة الردع، يبدو وكأنه لا يزال يراهن على “العلاقة الطيبة” التي جمعته يومًا بكيم. لكنه ربما نسي أن في بيونغ يانغ، الفشل يُعاد إنتاجه كسلاح دعائي، وأن العار قد يتحوّل إلى عرض للقوة، والخوف إلى أداة في صناعة القرار.

كيم، الذي شاهد بعينيه حلمه يغرق، لم يُظهر انكسارًا. بل أمر باعتقال المسؤولين، وتعهد بإعادة السفينة إلى الحياة قبل اجتماع حزبه المرتقب، واصفًا الحادث بأنه “مسألة كرامة وطنية”. وفي قاموس كوريا الشمالية، الكرامة ليست قيمة إنسانية بقدر ما هي سلاح سيكولوجي يُستخدم في الحرب الإعلامية والنفسية.

لكن ما يجعل هذا الحادث مقلقًا بحق هو سياقه الزمني والجيوسياسي. ففي اللحظة التي يغلي فيها الشرق الأوسط على وقع حرب غزة، وتتعثر فيها واشنطن في إدارة التوازنات المعقدة بين إسرائيل والعالم، تُرسل كوريا الشمالية رسائلها من المياه الشرقية كأنها تقول: “لسنا بعيدين عن المعادلة”.

في إيران، يُعاد تشكيل النفس تحت وقع العقوبات، والعيون مفتوحة على اللحظة التي يزيح فيها العالم نظره. روسيا لا تزال تزدري البيت الأبيض وتواصل حربها في أوكرانيا بلا اكتراث. والصين، بحذرها الصامت، تُمسك بالخيوط من دون أن تلوّح بها.

وسط هذا كله، يظهر كيم كمَن يُلوّح ببالون، لكنه في الحقيقة يُشهر سكينًا.

السفينة قد لا تكون الخطر، بل ما تمثّله. والبالونات قد لا تكون مجرد أدوات طفو، بل ستارًا دخانيًا يخفي ما هو أخطر: رسالة إلى ترامب مفادها أن زمن الإخضاع قد انتهى، وأن الرهبة الآن تغيّرت وجهتها.

فمن يُخيف مَن؟
ترامب العائد متعطشًا للهيبة؟
أم كيم الذي يُحوّل الهزائم إلى مسرحٍ يبث الرهبة؟

في السياسة كما في البحر، لا يهم من يصرخ أولًا، بل من يصمد أطول.



"
سليمان الراشدي في أقصى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الكورية، حيث تهمس الرياح بأسرار لا تُقال، يرقد هيكل سفينة حربية ضخمة على خاصرتها، كأنها حوتٌ معدني جريح لفظه البحر إلى اليابسة. تلك السفينة، التي أرادها كيم جونغ أون أن تكون أيقونة لعصر بحري جديد، تحوّلت في لحظة خاطئة إلى رماد الحلم وصدى الفضيحة. لكنّ الحادثة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة