الرئيسية/آراء/نتنياهو وخامنئي.. من يحكمنا؟
آراء

نتنياهو وخامنئي.. من يحكمنا؟

image
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم آراء
اليوم ميديا / وكالات

محمد فال معاوية

في زحمة هذا الشرق المتلاطم، حيث تصطدم الأقدار وتتشابك المصائر، يقف اثنان على مفترق الطرق؛ نتنياهو، صاحب العيون الحادّة التي لا تغفل نبضات الأرض، وخامنئي، المهيمن على صخب السحب التي لا تكفّ عن الإعصار. هما ليسا مجرد أسماء، بل رمزان لمأزق أبدي: من يحكمنا؟ من يكتب لنا التاريخ؟ ومن يمسك بمفاتيح الغد؟

الحكم في هذا الشرق ليس مسألة سلطات أو حدود مرسومة، بل هو لعبة ظلّ تتراقص فيها الأرواح على أنغام الحروب والهواجس، حيث تتصارع الرغبة في السيطرة مع وجع الشعوب، ويُدفن الحُلم تحت أنقاض الصراعات.

نتنياهو هو صوت الحسم، صدى القلق الذي يصدح في ليالي تل أبيب، تجسيدٌ لنهجٍ يرى أن القوة وحدها تفرض الواقع، وأن الأمن يُبنى بصلابة الصواريخ وحنكة القرار. هو ذلك العقل الذي يرسم الخرائط بخطوطٍ من نار، متخليًا عن براءة الزهور، متشبثًا بظلال الخوف والأمل المتبادل.

أما خامنئي، فهو ظلال إيران العميقة؛ شبحٌ ينسج شبكة أيديولوجية معقّدة، يفرض من خلالها إرادته على قلوب أتباعه، يراهن على الزمن الطويل، على صبر النار تحت الرماد، وعلى الأمل الذي يولد في أحضان المعاناة. حكمه ليس مجرد سلطة، بل فلسفة صراع لا تنتهي، سردية مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والغد.

لكن؟

ليست المسألة مجرد صراع صاروخي عابر، بل لحظة تشظٍّ سياسي تمتحن فيها هوية المنطقة، ومعنى أن تبقى أو تختفي. إنها ليست حربًا بالوكالة فقط، ولا جولة أخرى في حلبة الشرق الأوسط. بل مرآة مشروخة تعكس كل التشققات في جدار النظام الإقليمي، وكل الكسور في خيال الشعوب عن الاستقلال والسيادة.

إسرائيل، حين تضرب، لا تستهدف قواعد الحرس الثوري فحسب، بل تضرب فكرة التمدد الإيراني، وتختبر صبر الزمن. وإيران، حين ترد، لا ترد على غارة فقط، بل على عقود من العزلة والحصار، ترد لتقول: “ما زلنا هنا، ولو برماد، ولو بخطاب”.

لكن بين الضربتين، تسقط شعوب. تهتز عواصم لا علاقة لها بالضربة ولا بالرد. يعلو التوتر في بغداد، ترتجف بيروت، تختنق دمشق، وتترقب عمّان والقاهرة، وربما — لا قدر الله — تُستدرج عاصمة عربية أخرى إلى ألسنة اللهب.

هي مواجهة من طراز ثقيل، تنذر بإعادة رسم الخريطة لا بالجغرافيا فقط، بل بالمعنى: معنى أن تكون دولة في هذه المنطقة، أو مجرّد مساحة تنتظر القرار من خارجها.

نحن العرب، لسنا طرفًا في المعركة، لكننا في قلب عواقبها. نخشى الحرب، لكننا نعيش نتائجها. نبحث عن السلام، لكننا ندفع ثمن سكوته المريب.

أنظمتنا تنظر، وتحسب، وتوازن. شعوبنا تخاف، وتتساءل، وتحلم. لكن لا أحد يملك زمام الحسم. وكأننا عالقون في نشرة أخبار لا نكتبها، ولا نُستشار فيها، لكننا نُدفن في فواصلها الدامية.

وهكذا، يتشكل المشهد: إسرائيل تسعى لإعادة ضبط قواعد اللعبة، وإيران تُقاتل للبقاء في حلبة التأثير، والولايات المتحدة ترسم حدود التفاعل بميزان المصالح، لا بميزان العدالة.

فمن يحكمنا إذًا؟

"
محمد فال معاوية في زحمة هذا الشرق المتلاطم، حيث تصطدم الأقدار وتتشابك المصائر، يقف اثنان على مفترق الطرق؛ نتنياهو، صاحب العيون الحادّة التي لا تغفل نبضات الأرض، وخامنئي، المهيمن على صخب السحب التي لا تكفّ عن الإعصار. هما ليسا مجرد أسماء، بل رمزان لمأزق أبدي: من يحكمنا؟ من يكتب لنا التاريخ؟ ومن يمسك بمفاتيح الغد؟
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة