الرئيسية/آراء/كمائن «بيت حانون».. والشرق الأوسط الجديد
آراء

كمائن «بيت حانون».. والشرق الأوسط الجديد

image
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم آراء
اليوم ميديا / وكالات

خالد عمر بن ققه

تتناسلُ كمائن «بيت حانون»، منذ ما بعد طوفان الأقصى، وقبله أيضا، في عمليات بلغت من المواجهة حدًّا يصعب استيعابه أو إدراكه، فتهبُ عمرًا جديدا لأولئك الذين ينتظرون نحبهم، سعيا لحياة عزة قصيرة مهما طالت بعد النصر، أو الذهاب إلى عالم الخلود في حياة أبديّة، يخالونها، ونخالها معهم كذلك، ما يعنى الحسم في الموقف الرّاهن مقاومة وجهادا، وعدم التولي يوم الزحف، وهم بذلك يعيدون التأكيد على أهمية عودة التاريخ عبر صوت الأرض، الذي يتردد صداه منذ قرون، حين توالت جحافل الأعداء زحفا نحو بيت المقدس، حاملة الظلم والظلام، لكنها في النهاية تبددت، وأصبحت هشيما تذروه الرياح في حركة التاريخ ومسارات الزمن.

تحاولُ بيت حانون اليوم أن ترد على نفسها تحية سلام بعمل عسكري قتالي ضد عدوها- حين أكره أهلها عن الحرب- تكون أحسن من تلك التي ألقتها في معركتها الشهيرة، حين هزم الأيوبيُّون الصليبيّين في معركة على تلة «أم النصر»، ونسبوا إليها انتصارهم، وخلّدوه عُمرانًا وقيمة، في ذلك «الجامع» الذي بنوه، وسموه «مسجد أم الانتصارات» إحياءً لذكرى النصر.

بذلك تبدو «بيت حانون» من خلال عمليتها العسكرية الأخيرة ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي صانعةً لنصر عام يلوح في الأفق، نتيجة عزيمة وصبر لمن هم تحت الأنقاض، الذين يدخلون إسرائيل، كما قال الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبوعبيدة، الثلاثاء الماضي (8 يوليو الجاري): «معركة الاستنزاف التي يخُوضها مقاتلونا مع العدو من شمال القطاع إلى جنوبه ستكبّده كل يومٍ خسائر إضافية، ولئن نجح مؤخرًا في تخليص جنوده من الجحيم بأعجوبة؛ فلربما يفشل في ذلك لاحقًا ليصبح في قبضتنا أسرى إضافيون».

في هذا وَصْف حقيقي ومقنع لصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، وهو الأساس في صناعة المعادلات على الأرض، وتحديد معالم المرحلة في حرب الإبادة الدائرة حاليا، والكشف عن علاقة فلسطين، ممثلة في غزة وصغيرتها بيت حانون، بمحيطها العربي، وفضائها الإسلامي، وحضورها العالمي من خلال العلاقات مع الآخر المعادي لها أو المناصر، وكل هذا قد ينتهي إلى السؤال الآتي: مَنْ سَيُهِّجر مّنْ؟، وأحسب أن إجابته تأتي واضحة من بيت حانون، حيث الولادة الجديدة للفلسطينيين من تحت الأنقاض، حالة من البعث الجديد قبل يوم القيامة.

بكمائنها المتواصلة، تصنع بيت حانون من أشياء أبنائها المقاومين مجدًا، وتعطي عهدا قاطعا للعالم أجمع بأن الفلسطينيين- ولا أحد غيرهم- هم الذين يقررون مصيرهم، مهما كانت تكلفته، وهم بلا ريب صانعو الغد القريب في فضاء الشرق الأوسط الجديد، وهذا بالطبع يتناقض مع خطابي ترامب ونتنياهو.

القول بذلك؛ باعتباره نتيجة حتمية لما يحدث الآن، ليس تعاطفاً مع المقاومين، وإن كان يحق لنا ذلك وهو أضعف الإيمان، وإنما هو حقيقة تؤكدها جملة من الشواهد، تبين أن حركة التاريخ العالمي في وقتنا الراهن يُحدد مسارها مصير فلسطين- القطاع والضفة- حيث الانتظار المخيف لكل من ترامب ونتنياهو عند اجتماعهما الأخير في واشنطن إلى ما ستؤول إليه الأمور على الأرض الفلسطينية، خاصة بعد أن تمكنت المقاومة من تكبيد العدو خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات.

وفي السياق ذاته، تبدو مفاوضات الدوحة رهينة لعمل المقاومة على الأرض، لجهة تحديد شكل الاتفاق وبنوده.. تلك المقاومة، التي تودُّ أطراف عديدة إنهاء وجودها على الأرض، ولا شك أن معظم دول العالم- ولكل واحدة منها رؤيتها ودوافعها- ترغب في توقيف الحرب، وبتوقيفهاـ وحتى لو استمرت- لن يتشكل الشرق الأوسط الجديد الذي تريده إسرائيل وأمريكا، لكن بكل تأكيد سينتهي الأمر إلى فرز فلسطيني، يعيد ترتيب علاقته بإسرائيل وبالعالم، وسيكون ذلك على أرض فلسطين، بداية من غزة، وفي المستقبل المنظور وصولاً إلى القدس.

نقلا عن المصري اليوم

"
خالد عمر بن ققه تتناسلُ كمائن «بيت حانون»، منذ ما بعد طوفان الأقصى، وقبله أيضا، في عمليات بلغت من المواجهة حدًّا يصعب استيعابه أو إدراكه، فتهبُ عمرًا جديدا لأولئك الذين ينتظرون نحبهم، سعيا لحياة عزة قصيرة مهما طالت بعد النصر، أو الذهاب إلى عالم الخلود في حياة أبديّة، يخالونها، ونخالها معهم كذلك، ما يعنى الحسم
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة