الرئيسية/آراء/واقعية "أوبك" تكشف عن سيناريوهات النفط المقبلة
آراء

واقعية "أوبك" تكشف عن سيناريوهات النفط المقبلة

image
📸متابعة مصورة لنشاط الأسواق المالية وتطورات قطاع الطاقة والاقتصاد العالمي
اليوم ميديا / وكالات

غالب درويش صحافي

شرعت وكالة الطاقة الدولية التي ظلت أعواماً حاملة لواء “تحول الطاقة” ونهاية عصر النفط، في مراجعة تكتيكية عميقة لخطابها، وبدأت الوكالة تتخلى تدريجاً عن شعارات الماضي، معتمدة خطاباً جديداً يقر بالدور المحوري للنفط والغاز في ضمان أمن الإمدادات العالمي، هذا التحول يتجاوز مجرد تغيير مصطلحات، إنه اعتراف عملي بثوابت الجغرافيا السياسية والاقتصاد التي تحكم واقع السوق

تتشكل اليوم معالم فصل جديد في حكاية الطاقة العالمية، يعيد تعريف الرهانات المستقبلية ويشكك في اليقينيات السابقة، ففي خضم تسارع الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية منذ مطلع العام الحالي يبرز التناقض الصارخ في تصريحات وكالة الطاقة الدولية حول استثمارات قطاع النفط والغاز كقضية محورية تهدد كيان السوق، هذا التذبذب الذي حذرت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” منه مراراً، لا يعرض استقرار أسواق الطاقة العالمية للخطر فحسب، بل يكشف عن تحول جوهري في الخطاب الدولي تجاه مستقبل الوقود الأحفوري في مواجهة الطموحات الخضراء.

مراجعة تكتيكية

لقد شرعت وكالة الطاقة الدولية التي ظلت أعواماً حاملة لواء “تحول الطاقة” ونهاية عصر النفط، في مراجعة تكتيكية عميقة لخطابها، وبدأت الوكالة تتخلى تدريجاً عن شعارات الماضي، معتمدة خطاباً جديداً يقر بالدور المحوري للنفط والغاز في ضمان أمن الإمدادات العالمي، هذا التحول يتجاوز مجرد تغيير مصطلحات، إنه اعتراف عملي بثوابت الجغرافيا السياسية والاقتصاد التي تحكم واقع السوق.

في هذا المنعطف الحاسم يبرز النجاح الاستثنائي لندوة “أوبك” الأسبوع الماضي في فيينا كـ”لحظة دلالية فارقة”، ترسي سردية متوازنة ترفع شعار “أمن الطاقة” و”أمن المناخ” معاً، متحدية رواية الإحلال السريع.

إشارات مشوشة

وكثيراً ما نبهت “أوبك” إلى خطورة التباين المستمر في مواقف وكالة الطاقة الدولية، وبخاصة تلك المتعلقة بوقف تمويل مشاريع النفط والغاز ثم التحذير لاحقاً من شح وشيك في الإمدادات، هذا التقلب في التوصيات يرسل إشارات مشوشة إلى الأسواق ويقوض أسس بيئة الاستثمار طويل الأجل في قطاع حيوي يتطلب تخطيطاً استراتيجياً ثابتاً على مدى عقود، لا يتزعزع كل عامين.

فاستثمارات النفط والغاز بطبيعتها استثمارات جيلية تحتاج فترات إعداد وإنتاج ممتدة قبل أن تثمر، وأي تراجع حالي في ضخ الأموال سينعكس حتماً عجزاً كارثياً في المعروض خلال المدى المتوسط والبعيد.

وتكشف الأرقام الصارخة أن خفض الاستثمارات خلال الفترة (2015-2020) استجابة لضغوط التحول الطاقي المتسارع، خلف فجوة إنتاجية مهولة تقدر بنحو 10 ملايين برميل يومياً، مقارنة بحجم الطلب المتوقع عام 2023، هذا النقص الهيكلي يهدد بدفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 100 دولار للبرميل، وبخاصة مع تعافي الاقتصادات الكبرى بزخم يفوق التقديرات.

إعادة تقييم

تتزايد المؤشرات إلى أن وكالة الطاقة الدولية بدأت تعدل بوصلتها، متبعة خطاباً أكثر واقعية تجاه مستقبل الطاقة، بعد أعوام من الانحياز الواضح لسردية التحول الطاقي السريع، ويبدو أن هذا التحول في اللهجة يعكس إدراكاً متأخراً بأن مصادر الطاقة المتجددة على رغم تقدمها لا تزال عاجزة عن حمل عبء الاقتصاد العالمي بمفردها، خصوصاً في قطاعات حيوية كالنقل الجوي والبري والبحري والصناعات الثقيلة.

ففي أحدث تقاريرها، أقرت الوكالة بأن الطلب العالمي على النفط سيحافظ على قوته طوال العقد الحالي، متوقعة أن يبلغ الذروة قرب نهايته فحسب، بينما سيظل الاستهلاك فوق حاجز 100 مليون برميل يومياً في غالبية السيناريوهات، وأعادت تأكيد أولوية أمن الإمدادات في ظل أزمات متتالية، أبرزها الحرب الأوكرانية والاضطرابات في البحر الأحمر، التي كشفت هشاشة سلاسل التوريد العالمية.

دلالات عميقة

وحملت الندوة الدولية الأخيرة لـ”أوبك” دلالات عميقة تتجاوز الحضور الدبلوماسي والسياسي الرفيع. لقد نجحت في ترسيخ رؤية بديلة للخطاب الطاقي العالمي.

مشاركة ممثلي مؤسسات كانت من أشد المدافعين عن التحول الجذري، كوكالة الطاقة الدولية نفسها والبنك الدولي، في نقاشات مركزها “أمن الطاقة” و”العدالة المناخية”، تجسد تحولاً جذرياً في المزاج الدولي وانحيازاً متزايداً للواقعية.

وأثبتت “أوبك” فعاليتها في تعزيز سردية تؤكد أن النفط والغاز سيظلان عماداً لمزيج الطاقة العالمي لعقود مقبلة، وأن المواءمة بين الطموح المناخي والاستقرار الاقتصادي تتطلب حلولاً عملية لا شعارات أيديولوجية، وبرزت تقنيات مثل احتجاز الكربون والاقتصاد الدائري للكربون ورفع كفاءة الاستهلاك كأدوات محورية لضمان مستقبل طاقي مستدام ومتوازن، تحفظ فيه مصالح جميع الأطراف.

ثقة المستثمرين

وقال محللون لـ”اندبندنت عربية” إن التناقضات المتكررة في خطاب وكالة الطاقة الدولية باتت تلقي بظلال من الشك على استدامة استثمارات النفط طويلة الأجل، مما ينعكس على قدرة السوق على التخطيط للمستقبل بثقة.

وأشاروا إلى أن دعوة الوكالة المتكررة لوقف تمويل مشاريع النفط والغاز، ثم تحذيرها المفاجئ من عجز في الإمدادات، أوجد بيئة استثمارية غير مستقرة تفتقر إلى الرؤية الواضحة.

وأضافوا أن تلك التقلبات تعمق الفجوة بين الطلب العالمي المتزايد على الطاقة والمعروض الفعلي، وهو ما يهدد بإعادة سيناريوهات التقلبات الحادة في الأسعار خلال الأعوام المقبلة.

ويرى المحللون أن النجاح اللافت لندوة “أوبك” الأخيرة شكل لحظة رمزية بانتصار خطاب المنظمة القائم على التوازن بين أمن الطاقة وأمن المناخ، في مواجهة سردية “نهاية عصر النفط” التي روجت لها وكالة الطاقة الدولية.

واعتبروا أن المؤتمر رسخ سردية جديدة أكثر واقعية تجاه مستقبل الطاقة، وسط حضور لافت لمؤسسات دولية كثيراً ما كانت من دعاة التحول السريع نحو الطاقة المتجددة.

بديل تقني

من جهته، أكد المتخصص في الشؤون النفطية كامل الحرمي أنه “لا وجود لمفهوم نهاية عصر النفط والغاز”، مشيراً إلى أن التحولات في مصادر الطاقة يجب أن تكون منفتحة وواقعية لا عدائية.

وقال الحرمي إن “الحاجة للنفط لا تزال قائمة طالما لا يوجد بديل تقني واقتصادي قابل للتطبيق على نطاق عالمي”، معتبراً أن تحذيرات وكالة الطاقة الدولية على رغم تناقضاتها تحمل جانباً إيجابياً، كونها تدفع الدول المنتجة نحو التخطيط طويل الأجل وتنويع مصادر الدخل.

وأشار إلى أن النجاحات المتواصلة لـ”أوبك” تؤكد أن صناعة النفط ما زالت تحتفظ بثقلها الاستراتيجي عالمياً، مع ضرورة التفكير بعقلية استباقية لإيجاد بدائل مستقبلية فعالة.

رؤية واقعية

من جهته، أوضح الباحث الاقتصادي والمتخصص في شؤون النفط والطاقة عامر الشوبكي أن ندوة “أوبك” الأخيرة أثبتت إمكانية التوفيق بين أهداف أمن الطاقة والعدالة المناخية، قائلاً “تقنيات احتجاز الكربون والاقتصاد الدائري للطاقة تمنحنا فرصة حقيقية للتكامل بين الطاقة التقليدية والطموح البيئي”.

وانتقد الشوبكي الخطاب المتذبذب لوكالة الطاقة الدولية واصفاً إياه بـ”المضلل للمستثمرين”، مشيراً إلى أن الوكالة طالبت سابقاً بوقف الاستثمارات ثم عادت لتحذر من نقص الإمدادات.

نقلا عن اندبندنت عربية

"
غالب درويش صحافي شرعت وكالة الطاقة الدولية التي ظلت أعواماً حاملة لواء "تحول الطاقة" ونهاية عصر النفط، في مراجعة تكتيكية عميقة لخطابها، وبدأت الوكالة تتخلى تدريجاً عن شعارات الماضي، معتمدة خطاباً جديداً يقر بالدور المحوري للنفط والغاز في ضمان أمن الإمدادات العالمي، هذا التحول يتجاوز مجرد تغيير مصطلحات، إنه اعتراف عملي بثوابت الجغرافيا السياسية والاقتصاد
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة