الرئيسية/آراء/"الذكاء الاصطناعي" نعمة ترتقي بالمبدع و"فوبيا" تسحق المتكاسل
آراء

"الذكاء الاصطناعي" نعمة ترتقي بالمبدع و"فوبيا" تسحق المتكاسل

image
📸صورة توضيحية لابتكارات الذكاء الاصطناعي والحلول التقنية والتحول الرقمي
اليوم ميديا / وكالات

خالد الجار الله

كانت الكتابة الإبداعية هي أول تجليات الوعي البشري، وكانت أيضاً رحلتها طويلة وشاقة، بدأت من نحت الحرف، ومرت بمخاضات التدوين البدائي، حتى وصلت إلى العصر الذي فيه تُولد الأفكار بمجرد لمسة إصبع، وهذا واقع جميل لا مستقبل مخيف.

فالتفاصيل الصغيرة تصنع القفزات الكبرى، فمثلاً كنا قبل عقود فقط، عندما نحتاج إلى كتابة كلمة «خالد» على الآلة الكاتبة -المتطورة آنذاك- يعوزنا المكان والزمان والتركيز، وتتطلب معرفة موضع كل حرف، وتمريره عبر أربعة احتمالات على الأقل لشكل الحرف أول أم وسط أم آخر أم منفرد، وفقاً لموقعه في الكلمة.

لم تكن الكتابة فعلاً آنياً، بل عملية تتطلب جهداً بصرياً وميكانيكياً، وصبراً.

ثم جاءت لوحة المفاتيح «الكيبورد» فحررت الكتابة من القيود الميكانيكية فيتغير الحرف طبقاً لما بعده وقبله تلقائياً، واليوم، لم نعد نحتاج إلى كتابة الحرف كاملاً، فالكلمة تتوقع نفسها، والجملة تُستشرف قبل اكتمالها، والمعنى يكتمل قبل أن يُنطق، وهذا ليس سحراً، بل «ذكاء اصطناعي» يفهمنا إن كنا نفهمه.

«الذكاء الاصطناعي»، ليس مجرد نقلة تقنية، بل هو تطور طبيعي لسلسلة من الممكنات التي صنعها الإنسان عبر التاريخ، فكل مرحلة من مراحل التطور البشري كانت قائمة على أدوات: من المطرقة، إلى الطابعة، إلى معالجات النصوص، إلى الأنظمة الذكية التي لا تكتفي بفهم اللغة، بل تولّدها، وتحللها، وتقترح، وتعيد الصياغة، وتخلق المعنى.

لكن هذا كله، في جوهره، ليس بديلاً عن الإنسان المبدع، فالذكاء الاصطناعي مهما تقدم لا يبدع من العدم، فهو لا يُلهم، ولا يحلم، ولا يتألم، ولا يكتب لأن فكرة نبتت في قلبه.

بل هو مرآة تعكس، ومحرك يُسرّع، وأداة تُتقن، شأنه شأن الآلة الحاسبة ومشتقاتها!

الخوف من الذكاء الاصطناعي، أو ما يُعرف بـ«فوبيا الآلة الذكية»، هو في جوهره شكّ في القدرة، وخوف من المستقبل لا من التقنية.

يخشاه الموظف الذي لا يتعلم، والكاتب الذي لا يطوّر أدواته، والكسول الذي توقّف عند نقطة واحدة من ذاته.

لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي، لا يُقصي المبدع تحديداً، بل يعظّم أثره، ويثري قدراته، ويبرز قدرته، لكن ذلك يتطلب براعة ذكية في هندسة الأوامر والتعمق في توجيه الـAI، فما ينجزه العقل البشري في ساعات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسعه في دقائق، ويُعيد ترتيبه، ويُنمذجه، ويختبره في بيئات متعددة.

في مجالات مثل التحليل، والإحصاء، والرقمنة، والتنظيم، والتوجيه، وحتى التنبؤ، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً لا يمكن تجاهله.

لكنه -ورغم كل قدراته- ما زال يحتاج إلى الفكرة الأولى، إلى الجملة الأولى، إلى المعنى الذي ينبض من عقل بشري.

نقلا عن عكاظ السعودية

"
خالد الجار الله كانت الكتابة الإبداعية هي أول تجليات الوعي البشري، وكانت أيضاً رحلتها طويلة وشاقة، بدأت من نحت الحرف، ومرت بمخاضات التدوين البدائي، حتى وصلت إلى العصر الذي فيه تُولد الأفكار بمجرد لمسة إصبع، وهذا واقع جميل لا مستقبل مخيف. فالتفاصيل الصغيرة تصنع القفزات الكبرى، فمثلاً كنا قبل عقود فقط، عندما نحتاج إلى كتابة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة