الرئيسية/آراء/أكتب … لأن الصمت خيانة!
آراء

أكتب … لأن الصمت خيانة!

لقطة الشاشة 2025-07-30 في 11.54.56 ص
📸لقطة الشاشة 2025-07-30 في 11.54.56 ص
اليوم ميديا

بقلم: مجدي رشيد – أكاديمي ومختص مهني في الدراسات السياسية والاجتماعية مقيم في ألمانيا

كثيرًا ما يُوجَّه إليّ النقد بأني أكثر من تسليط الضوء على مواطن الخلل في الشأن السوداني، دون أن أُقدّم بدائل أو رؤى واضحة للحل. وأتفهم تمامًا هذا الانطباع، بل وأراه مشروعًا، في ظل ما نعيشه من أزمة خانقة تحتاج إلى بصيص أمل وطريق خروج. لكنني أؤمن أن بداية الإصلاح الحق تبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها، ومن تشريح الأزمة دون مواربة أو تجميل. فالنقد بالنسبة لي ليس غاية، بل وسيلة؛ هو أداة لتفكيك البنى المنتجة للفشل، وكشف مواقع التواطؤ والتقصير، تمهيدًا لمسار وطني قابل للتوافق.

نحن لا نعيش أزمة سياسية عابرة يمكن معالجتها بحوار أو وثيقة. نحن أمام كارثة شاملة، تتداخل فيها المأساة بالعبث، ويتحول الانهيار إلى حالة اعتياد يومي. لقد اختُطِف الوطن بواسطة بنية عنف مركّبة، تبدأ من سلطة السلاح، وتمر عبر شبكات الفساد، وتنتهي بالإقصاء والتخوين وانهيار المعايير. في مثل هذا الواقع، يصبح السكوت تواطؤًا، ويغدو التجميل خيانة للضمير.

ولذلك، فإن ما أمارسه من نقد ليس جلدًا للذات، ولا هروبًا من المسؤولية، بل موقف مقاوم في وجه تطبيع القهر. إن من يطالب كاتبًا مستقلًا بتقديم حلول سريعة وشاملة، يسيء فهم طبيعة الأزمة، كما يسيء فهم طبيعة الدور. فالحلول الحقيقية ليست وصفات جاهزة تُعرض في مقالة، ولا خطط سريعة تُحسم في ندوة. الحل يتطلب اعترافًا جماعيًا بالحقائق المرة، وتفكيكًا عميقًا للبنى التي أنتجت هذا الخراب، ثم انطلاقًا نحو مشروع وطني جديد.

كيف يمكن طرح حلول، ونحن لم نتوافق بعد على تعريف الدولة؟ على معنى الوطن؟ على مشروعية من يحكم؟
كيف تُبنى البدائل، ونحن واقفون على ركام الخراب، نتهرب من المحاسبة، ونخشى المصارحة؟
إن تجاوز الأزمة يبدأ من مواجهة الحقيقة: من الاعتراف بما ارتكبته القوى المسلحة، بما فشلت فيه النخب، بما شارك فيه المجتمع، عن قصد أو عن غفلة، من صمت على الظلم أو تهاون مع الاستبداد.

أنا لست حزبًا سياسيًا، ولا زعيم تيار، ولا ساعيًا إلى موقع. أنا فرد منحاز للحقيقة، منحاز للضحايا، منحاز لسؤال الدولة المختطفة. دوري أن أكتب، أن أرفض، أن أقول “لا” حين يصمت الجميع، أو يهتفون بـ”نعم” من فرط الخوف أو الانكسار. لا أملك مشروعًا سياسيًا متكاملاً، لكنني أملك حسًا أخلاقيًا يرفض التزييف، ويرفض أن يُغسل الدم بشعارات الوطنية الزائفة.

ومع ذلك، أنا لا أكتب من قاع اليأس، ولا من ترف الغضب. ما ألمّح إليه أحيانًا وسط النقد، وأجاهر به اليوم، هو أن السودان لن ينهض:
• إلا إذا أُعيد تعريف الدولة على أنها خدمة للناس، لا سلطة عليهم.
• إلا إذا تم الاعتراف بتنوعه الحقيقي – سياسيًا، ثقافيًا، عرقيًا، وفكريًا – باعتباره ثروة لا تهديدًا.
• إلا إذا توقفت لعبة تدوير العنف بين نخبة مدمنة للفشل، مهووسة بالحكم، وشعب حائر مثقل بالجراح.

هذه ليست حلولًا ، بل ملامح طريق. لا تكفي، لكنها بداية تفكير خارج الصندوق الذي احترق بنا جميعًا.

إن من السهل أن نطالب بالحلول، لكن الأصعب هو الاستعداد لدفع ثمنها. والحل يبدأ فقط عندما يعترف كل طرف بحجمه الحقيقي، بدوره، بأخطائه. حين نتوقف عن الإنكار، ونمتلك شجاعة أن نحلم بسودان لا يُدار بالدم، ولا يُبنى على الأكاذيب.

وحتى يحين ذلك، سأواصل الكتابة كما أرى، والنقد كما أؤمن، والقول بما أظنه حقًا.
لا لأنني أزعم امتلاك الحقيقة، بل لأن الصمت في زمن الانهيار… خيانة.

"
بقلم: مجدي رشيد – أكاديمي ومختص مهني في الدراسات السياسية والاجتماعية مقيم في ألمانيا كثيرًا ما يُوجَّه إليّ النقد بأني أكثر من تسليط الضوء على مواطن الخلل في الشأن السوداني، دون أن أُقدّم بدائل أو رؤى واضحة للحل. وأتفهم تمامًا هذا الانطباع، بل وأراه مشروعًا، في ظل ما نعيشه من أزمة خانقة تحتاج إلى بصيص
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة