الرئيسية/آراء/العقل المُغيَّب.. الدين المؤدلج.. الاقتصاد المتزّين بزيف التقوى
آراء

العقل المُغيَّب.. الدين المؤدلج.. الاقتصاد المتزّين بزيف التقوى

image
📸متابعة مصورة لنشاط الأسواق المالية وتطورات قطاع الطاقة والاقتصاد العالمي
اليوم ميديا / وكالات

د. الهادي عبد الله أبوضفائر

ثمّة خلل عميق في الوعي حين يُنكر الإنسان العلاقة بين السبب والنتيجة. هذا النفي ليس خروجاً عن منطق العلم فحسب، بل تجاوزٌ حتى لجوهر الدين نفسه، الذي يقوم على سُنن كونية دقيقة لا تحابي أحداً. من يزرع يحصد، ومن يهمل يُهزم، ومن يجهل يضل الطريق. غير أن عقولاً كثيرة في واقعنا السوداني تحديداً ما زالت ترفض هذا الربط الحاسم بين الفعل ونتيجته، وتلوذ بأساطير التبرير والمصادفات الغيبية، كلّما عجزت عن النقد الذاتي أو عن مغادرة منطقة الراحة الفكرية. ذلك الخلل في إدراك السببية هو المدخل الأوّل لكل أزماتنا في بناء الدولة، لأنَّه يصنع ذهنية تُفسِّر الفشل بالمؤامرة، وتُغلق بذلك أبواب المراجعة، وتفتح بوّابات الكذب باسم المقدّس.

ثمة مَنْ ارتدوا عباءة الإيمان، لكنهم ما عادوا حرّاساً للحق، بل سدنةٌ للجمود. يخشون العلم الحديث لا لأنه يهدد جوهر الدين، بل لأنه يزعزع سلطان الفهم الكسول، ويُربك الراحة المزمنة في قوالب التلقين. وهكذا وُلدت ظاهرة غريبة وخطيرة: الكذب باسم العقيدة. وباسم الإعجاز، يُزوَّر العلم ليُساير الهوى، وتُستدرج الطبيعة لتقول ما لم تنطق به، ويُلوى عنق الأخلاق حتى تصير خادمة للغرض، لا شاهدة للحق. الكذب يتحوّل إلى نية طيبة، والتزوير يُروَّج له بوصفه فهلوة، ويُختزل الدين في أداة انتصار على الآخر، لا في سبيلٍ يقود إلى النور. لكن أيُّ دين ذاك الذي يحتاج إلى الكذب ليبقى؟ وأيُّ عقيدة تلك التي لا تجد ما يُثبت صدقها سوى الخداع؟ إنّ المقدّس الذي يكذب ليحمي نفسه، يُفقِد نفسه قداسته قبل أن يفقد احترام العقل. والعقيدة التي لا تنجح في اختبار الأخلاق، لن تنجح في أي اختبار آخر.

في التجربة السودانية، كما في تجارب أخرى، شاع استخدام مصطلح التمكين في الأدبيات السياسية، لكنّ الممارسة على الأرض لم تكن تمكيناً للمجتمع، بل استحواذاً على مؤسسات الدولة، وتدجيناً للناس حتى يصبحوا امتداداً للحزب أو الجماعة. أُفرغ التمكين من مضمونه الرسالي ليُصبح وسيلةً لإقصاء الآخر، وتدوير الولاء، وتحويل الدولة إلى جهاز إلحاق جماعي. التمكين الحقيقي لا يعني السيطرة على مفاصل السلطة، بل تحرير المجتمع من الخوف، ومن الجهل، ومن التبعية. أمّا حين يُدار التمكين بأسلوب الإحالة والولاء، فإنه يصبح مشروع هيمنة يتستّر بشعارات الإصلاح، ويعيد إنتاج الاستبداد تحت رايات الخلافة أو الحاكمية.

لا يمكن سبر أغوار مأزق الدولة في السودان ما لم نغُص في القيعان المعتمة للبنية الثقافية الراسخة في العقل الجمعي، ذاك العقل الذي يعمل في منطقه الأعمق بصمتٍ كثيف، حيث لا يُفكر بل يُملى عليه. ثمّة ثلاثية خطِرة تسكن هذا الوعي الخفي:

  • العقيدة حين تُرفَع إلى مقام الهوية المطلقة، لا تُثمر سوى الإقصاء باسم القداسة، إذ تغدو الحقيقة ملكاً حصرياً لطائفة، لا ساحةً رحبة لتعدّد الرؤى.
  • القبيلة، هذا الملاذ الأول للانتماء، ينهض في لحظات المحن فوق الدولة، فيُرجِعنا من روح الوطن إلى جسد العشيرة، ومن وعي المواطن إلى طقوس الولاء.
  • الغنيمة، وهي الفلسفة الصامتة التي تُدير دولة السلطة لا سلطة الدولة، حيث يصبح الحكم لا سُلّماً للإصلاح والمساءلة، بل مائدةً لتقسيم الامتيازات وتوريث المواقع.

ومن هنا، لم يشأ من بلغ سدّة الحكم أن يحتفي بتعدّد الوجوه، بل سعى ليصبَّ الناس في قالبه، ويطبع وجدانهم على صورته. فانتشرت ثقافة التسكين لا التحفيز، واستُبدلت أسئلة النهضة بتراتيل الطاعة، وشُيِّدت منظومة ثقافة التبرير، تُبغض الشفافية، وتزدري المؤسسية، وتقصي المحاسبة كأنها رجسٌ من عمل الشيطان. هكذا تأسّس الخراب لا على فشل السياسة وحدها، بل على خيانة الوعي نفسه.

حين تنجح الثورة سياسيّاً لكنها تفشل ثقافيّاً، فإنها تُمهّد الطريق للنكسة. لم تنجح الثورات السودانية المتعددة لأنّ قادتها في الغالب لم يراجعوا بنية العقل الذي كانوا يتمرّدون عليه. سقط الطاغية، لكنّ الطغيان بقي، لأنّه لم يكن فقط شخصاً، بل نمطاً ذهنيّاً جماعيّاً، يتوارثه الناس باسم الدين أو النخوة أو المصلحة أو الأمن القومي.

كثيراً ما يُطرح السؤال: هل لدينا اقتصاد إسلامي؟ والإجابة الدقيقة: لا. ما لدينا هو معاملات إسلامية داخل نظام اقتصادي رأسمالي. فالاقتصاد، كما تُعرِّفه النظم الحديثة، هو دورةٌ منتظمة: مدخلات، ومعالجة، ومخرجات، ومؤسسات تنظّم هذه الحركة. ما يُطلق عليه “النظام الاقتصادي الإسلامي” لم يتحوّل بعدُ إلى نظامٍ متكامل، بل هو إجراءات تهدف إلى تخفيف آثار الربا والظلم الاقتصادي، دون أن تمتلك نظاماً نقدياً مستقلاً. فالعملة، وهي جوهر النظام، لا تزال خاضعة لتقلبات السوق. والبنك الإسلامي لا يملك الخروج عن سياسات البنك المركزي، ولا عن النظام العالمي الذي يتحكّم في تدفّق رؤوس الأموال وسعر الفائدة والتمويل.

وبالتالي، فإنّ وصف الاقتصاد الإسلامي كنظام بديل هو تسويق سابق لأوانه، وربما تضليل أحياناً، لا يختلف عن التمكين الذي صار غطاءً للهيمنة. البنك ليس مؤسسة قرض حسن. هذه النظرة تُسيء إلى الفكرة الجوهرية، لأن البنك في جوهره مؤسسة تجارية تسعى للربح المنضبط، وليس جمعية خيرية. وشتّان بين معاملة فردية تُراعي “النظر إلى ميسرة”، وبين مؤسسة تمارس التمويل والتوظيف والاستثمار وفق قوانين السوق والحوكمة.

ما لم نُراجع المفاهيم الملتبسة، ونحرّر العقل من أغلال القداسة الزائفة، ونتجاوز التمكين المغشوش إلى التمكين الحقيقي، ونفكّك عقلية الغنيمة، وننظر إلى الاقتصاد بوصفه علماً قبل أن يكون شعاراً، فلن تنهض الدولة السودانية مهما تعددت ثوراتها. فالثورة الحقيقية لا تبدأ من إسقاط الحاكم، بل من إسقاط الذهنية التي تُنتج الطغيان، وتُلبسه لبوس الدين، والقبيلة، والمصلحة.

"
د. الهادي عبد الله أبوضفائر ثمّة خلل عميق في الوعي حين يُنكر الإنسان العلاقة بين السبب والنتيجة. هذا النفي ليس خروجاً عن منطق العلم فحسب، بل تجاوزٌ حتى لجوهر الدين نفسه، الذي يقوم على سُنن كونية دقيقة لا تحابي أحداً. من يزرع يحصد، ومن يهمل يُهزم، ومن يجهل يضل الطريق. غير أن عقولاً كثيرة في
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة