الرئيسية/آراء/هل مصر محصنة مما يجرى فى الإقليم؟
آراء

هل مصر محصنة مما يجرى فى الإقليم؟

image
📸أحمد الدريني من ينظر إلى خريطة الإقليم سيدرك أن الوضع لم يعد مجرد أزمات عابرة، لكل واحدة منها تعاط خاص على حدة
اليوم ميديا / وكالات

أحمد الدريني

من ينظر إلى خريطة الإقليم سيدرك أن الوضع لم يعد مجرد أزمات عابرة، لكل واحدة منها تعاط خاص على حدة.

بل باتت الخريطة موزعة بين دول مأزومة بحروب خارجية أو اقتتالات أهلية أو مهددة بأشباح انقسام، أو في سبيلها بالفعل للاجتزاء والانتقاص من مساحتها وسيادتها وحدودها.

نحن نتحدث عن إقليم كامل، لكل دولة فيه حالة خاصة تقريبًا. بين قائمة، أو متماسكة إلى حين، أو مهددة وآيلة للسقوط أو واقعة في عمق المأساة، أو دولة تبحث عن نفسها وسط تيه، أو تلك الدول التي في غياهب الجب لا ترجى لها قيامة بقدر ما لا يتوقع لها سقوط.

أول مرة يتهلهل الإقليم إلى هذا الحد على هذا النحو.. ومصر بطبيعتها تتصل أعصابها الحساسة بكل نقطة في محيطها وتتأثر سريعًا بكل شيء، كأنها «المخ» وهو يرصد ويدرك أي خلل يطرأ على الجسم البشري، ويستشعر أي مؤثر خارجي يدهمه.

ورغم الميل إلى المعالجة «العاقلة» لما يجرى حوالينا، كخيار تاريخي للدولة المصرية، إلا أن القاهرة لم تخفِ انحيازها ولا حسمها في بعض الملفات ودون مواربة أو استشارة أو مراعاة حليف أو خضوع لاعتبار.

لكن هذه العدوى التي ضربت أنحاء الإقليم الذي رزح تحت تناقضات كثيرة لقرابة قرن من الزمان، انفجرت كلها بغتة، فتنادت القبيلة لعصبيتها ونطق المذهب لثاراته وانشقت المليشيا بسلاحها، وانحاز أهل كل جهة لجهتهم، ونطق الذين تمولهم قوى إقليمية محيطة بلسان مصالح وعقائد هذه القوى. وناءت الأجيال الجديدة بإرث العقود البالية، فورث جيل «زد» وضعًا أشد إحباطًا مما ورثه جيل الألفية الذي قاد غضبات وثورات الربيع العربي.

لنصبح لأول مرة إزاء أزمة جيلية وانشقاق ميليشي وتناحر قبلي وتداعٍ جغرافي وانهيار اقتصادي وسياسي وقيمي، وتدخل كل القوى المحيطة والدخيلة، في الوقت ذاته.

يذهب المتفائلون أن مشاهد الشتات والدمار والانقسام في الإقليم تدفع المصريين للتحزب حول وطنهم والحفاظ عليه مهما كانت أوجه التبرم ومساحات السخط وبواعث الإحباط.

ويذهب المتشائمون أن شرارة من شرارات السخط ستتسرب، ووقيعة من وقائع البلدان المجاورة قد تستنسخ نفسها وإن بصورة أقل حدة، وأن دعوى من دعاوى الغضب قد تلقى ميلاً لدى جيل محبط أو جماعة متربصة أو مكون مستعد.

ولا يجوز لعاقل أن يغفل الجهود البهلوانية التي يمارسها الإخوان منذ شهور لأجل الإيهام بأن مصر على وشك الانفجار، مع تغذية هزلية تفيد باحتمال تكرار السيناريو السوري في مصر، ليعود الإرهابي الهارب يحيى موسى ليحكم مصر!

قد لا يعرف الكثيرون يحيى موسى، خارج نطاق الأجهزة الأمنية والمهتمين بشؤون الجماعات المتطرفة وبعض المنشغلين بالشأن العام، لكن ظهوراته الأخيرة وخطابه، ضمن خطاب عام متماهٍ مع نموذج الجولاني، يمجده ويمجد خطاه ومتملظ شوقًا لتكراره في مصر، يفهمك أن جماعة الإخوان ترجو أن يكون هذا هو مصير مصر. وتضغط بكل اتجاه لتضخيم كل أزمة من أزمات الحياة اليومية وتعالجها من زاوية أنها شرر الثورة المستطير الذي سيطال برميل البارود الساكن في لحظة ما.

ورغم كل هذه العوامل مجتمعة، من وجود ظرف إقليمي شديد التعاسة ووجود طرف داخلي متآمر ووضيع لدرجة القبول بأي شيء مقابل الانتقام من مصر كلها ولو عن طريق الدفع بها للهاوية، إلا أنني أعتقد أن القراءة الأمنية لهذه التهديدات ستكون غالبًا ناجعة وذكية وقادرة على إحباط النسبة الكبرى من تحركاتها ومخططاتها، وستتمكن من ترشيد كثير من آثارها، وأن مصر لن تنزلق لهذا المنحدر أبدًا إن شاء الله.

لكن المعركة الحرجة لا تجرى على هذه الأرضية فحسب، بل تجرى على أرضية الوضع العام الذي ناء بتناقضات باتت غير قابلة للتحمل والتعايش. فلا يغيب عن صاحب القرار مدى التذمر من سوء الأداء الحكومي ومن كلفة المعيشة ومما آلت إليه انتخابات البرلمانيين، ولا من شعور التكلس العام الذي يهيمن على البلاد.

كل هذه الأوضاع المتيبسة تشي بأن ثمة إحباطًا سيشق طريقه للمستقبل، إذ لن تفلح الخلطات القديمة في إنتاج واقع جديد. بل لقد كانت الخلطات القديمة، حتى وقت قريب، أقل سوءًا مما هي الآن.

أحسب أن التحدي الحقيقي الذي يكتنف مفاصل الدولة المصرية هو قدرتها على إنتاج الأمل وصناعته، لا بمجرد شكلانيات ومظهريات إنتاج الأمل، بل بإنتاجه حقيقة. بهندسة حياة سياسية جديدة، وبنسف للآلية القديمة لاختيار الوزراء والمحافظين وكبار المسؤولين، وبرسم مسار جديد يستشعره المصريون ويؤمنون به.

وهذه المسألة ما لم تتم بصدق وبإدراك أنها ليست ترفًا ولا مغازلة ولا امتصاصًا أو تهدئة بل ضرورة حتمية، سنصبح عرضة بالفعل للشرر المتطاير حولنا.

والتحدي هنا ليس في الاستجابة لمثل هذا الواقع بما يقتضيه من إجراءات، بل يزداد عليه إيلاء هذه المهام لمن يقدرون على تنفيذها بتجرد ووطنية وإدراك. فإن في بلادنا من هم قادرون على تفريغ أي شيء من مضمونه، واستدراجنا لحوارات فارغة بلا نهاية، كتزجية للوقت ولأجل الإيهام بأن ثمة شيء ما يحدث، بينما الجاري هو الإصرار على الأمر الواقع بكل ما فيه من جمود يفضي إلى المهالك.

نقلا عن المصري اليوم

"
أحمد الدريني من ينظر إلى خريطة الإقليم سيدرك أن الوضع لم يعد مجرد أزمات عابرة، لكل واحدة منها تعاط خاص على حدة. بل باتت الخريطة موزعة بين دول مأزومة بحروب خارجية أو اقتتالات أهلية أو مهددة بأشباح انقسام، أو في سبيلها بالفعل للاجتزاء والانتقاص من مساحتها وسيادتها وحدودها. نحن نتحدث عن إقليم كامل، لكل دولة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة