الرئيسية/آراء/صناعة الفوضى المقدسة: من غزة إلى غرينلاند.. هندسة الاستيلاء على موارد الكوكب
آراء

صناعة الفوضى المقدسة: من غزة إلى غرينلاند.. هندسة الاستيلاء على موارد الكوكب

ممرات الغاز والنفط: الشرق الأوسط بين السيطرة الأمريكية والتحكم في موارد العالم
📸ممرات الغاز والنفط: الشرق الأوسط بين السيطرة الأمريكية والتحكم في موارد العالم
اليوم ميديا

أحمد سالم أعمر حداد

يعيش العقل الجمعي العالمي اليوم تحت وطأة تنويم مغناطيسي استراتيجي، حيث تضخ الماكينات الإعلامية والبحثية روايات متكررة عن صراعات أيديولوجية، وحروب دينية، ونزاعات نووية. إلا أن القراءة العميقة لما وراء الستار تكشف أن العالم لا يعيشه عصر “صدام الحضارات”، بل عصر هندسة الابتزاز الكوني. فالأحداث في المثلث الملتهب بين واشنطن وطهران وتل أبيب، وصولاً إلى جليد غرينلاند وسواحل فنزويلا، ليست سوى فصول من كتاب واحد عنوانه: السيطرة المطلقة على موارد الطاقة وممرات القرن الحادي والعشرين.

إيران وإسرائيل: توائم العزلة والوظيفة الاستراتيجية

لفهم هذا اللغز، يجب أولاً تحطيم أسطورة العداء الوجودي بين إيران وإسرائيل. من منظور السياسات الأمريكية الكلية، يمثل هذان الكيانان أجساماً غريبة في المحيط العربي؛ عزلة عرقية ولغوية وأيديولوجية تجعل منهما الأداتين المثاليّتين لممارسة دور “كلاب الحراسة المتشاكسة”.

إسرائيل، بوظيفتها التقليدية، تمنع أي توحد عربي قومي أو نهضة صناعية مستقلة. أما إيران الثورية، فقد أُلبست رداء البعبع الطائفي لتقوم بالمهمة الأهم: إبقاء كتلة الثروة الهائلة في الخليج العربي تحت حالة الخوف الدائم، وهو الخوف الذي يشرعن عقود الحماية المليارية، ويوفر الغطاء القانوني والأخلاقي لبقاء القواعد العسكرية الأمريكية جاثمة فوق صدر المنطقة. إن سقوط النظام الإيراني غداً سيكون كابوساً استراتيجياً لواشنطن؛ إذ سيفكك مبرر وجود أساطيلها، وينهي حقبة الابتزاز المقدس التي تضمن تدفق السلاح والنفط وفق الإيقاع الأمريكي.

الملف النووي: الجزرة التي لا تؤكل والعصا التي لا تكسر

في هذا المختبر، يبرز الملف النووي الإيراني كأعظم أداة ضبط إيقاع في التاريخ الحديث. فالولايات المتحدة لا تريد لإيران امتلاك القنبلة فعلياً، لأنها ستخلق ردعاً متبادلاً يخرج عن سيطرتها، ولا تريد تدمير البرنامج النووي تماماً، لأنه سيقتل الوحش الذي تخوف به الآخرين. إن حالة إيران على حافة النووي هي الوضع المثالي لإدارة صراعات الطاقة، فهي تمنح مبرراً لضربات محدودة لتقليم الأظافر عند الحاجة، وفي الوقت ذاته تبقي جيران إيران في حاجة ماسة إلى المظلة النووية الأمريكية.

وهم البديل الملكي وحقيقة التحالفات الدولية

يتساءل الكثيرون عن ابن الشاه وطموحاته. الحقيقة الصادمة أن واشنطن والقوى الدولية غير مقتنعة بعودة الملكية؛ فالنظام الملكي قد يجلب استقراراً قومياً فارسياً ويطمح لنهضة مستقلة، بينما نظام الملالي الحالي يوفر لواشنطن ورقة العدو المثالي القابل للتسويق دولياً. ابن الشاه ليس إلا بطاقة تفاوض، يُسحب لتحسين شروط “الشراكة الخفية” مع طهران.

وعلى المقلب الآخر، تظهر روسيا والصين وتركيا ليس كحلفاء وجوديين لإيران، بل كشركاء انتهازيين؛ الصين تريد نفطاً رخيصاً، وروسيا تستخدم طهران كأداة لإزعاج أمريكا. لكن عند لحظة المقايضة الكبرى، لن تتجرأ أي من هذه القوى على مواجهة أمريكا مباشرة لحماية النظام الإيراني، الذي يظل في النهاية وكيلًا وظيفيًا يعرف حدوده جيدًا.

أكتوبر وغزة: جغرافيا الغاز وممرات الطاقة

لا يمكن فصل أحداث غزة منذ أكتوبر 2023 عن هذا السياق الكلي. غزة ليست مجرد بقعة جغرافية مكتظة، بل مفتاح حقل الغاز الطبيعي “غزة مارين”، العقدة التي يجب تأمينها ليمر “ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا”. إيران لا تدعم القضية الفلسطينية حباً في التحرر، بل تستخدمها درعاً أخلاقياً لتأمين استقرارها الداخلي وتمددها الإقليمي.

اقرأ أيضا: ترامب وغرينلاند: طموحات أميركية للهيمنة على نصف الكرة الغربي

إن 7 أكتوبر المفبركة بإتقان كانت الصدمة اللازمة لإعادة رسم خرائط الموارد، ومنح أمريكا السيطرة المباشرة على شرق المتوسط، وتأمين الممرات البديلة لقناة السويس التي باتت تحت رحمة التجاذبات الجيوسياسية.

الترابط الكوني: من فنزويلا إلى غرينلاند

السياسة الأمريكية الكلية لا تؤمن بالصدف. هناك خيط ناظم يربط بين إسقاط الأنظمة أو محاصرتها في فنزويلا (خزان النفط الأكبر)، والاهتمام المفاجئ بشراء غرينلاند (خزان المعادن النادرة وطريق القطب الشمالي)، وحروب الشرق الأوسط. إنها استراتيجية الحصار الطاقي؛ حيث تسعى واشنطن للسيطرة على كل صمامات الحياة في الكوكب. غزة تؤمن الغاز والممرات، فنزويلا تؤمن الاحتياطي التقليدي، وغرينلاند تؤمن موارد المستقبل. وفي هذا المشهد الكبير، تبقى إيران القفل الذي تمتلك واشنطن مفتاحه، تستخدمه لإغلاق أو فتح أبواب المنطقة حسب مصالح شركاتها الكبرى.

الخلاصة: نحو وعي استراتيجي جديد

ما نراه اليوم ليس صراعاً بين حق وباطل، بل صراع بين مفترس يمتلك الأدوات التقنية والمالية، ووكلاء يقومون بأدوار مرسومة بدقة. إن سقوط النظام الإيراني هو القرار الذي لم تتخذه واشنطن بعد، ليس حباً في طهران، بل خوفاً من فقدان أداة الابتزاز الأكثر فعالية في تاريخها. على شعوب المنطقة والمفكرين إدراك أن الوعي الفكري العميق هو المخرج الوحيد. كشف هذه المسرحيات الجيوسياسية هو الخطوة الأولى لاستعادة القرار والتحرر من تبعية “الابتزاز المقدس” الذي تفرضه واشنطن عبر إدارة الفوضى وتجارة الخوف.

  • باحث ومحلل استراتيجي مغربي في العلاقات الدولية
"
أحمد سالم أعمر حداد يعيش العقل الجمعي العالمي اليوم تحت وطأة تنويم مغناطيسي استراتيجي، حيث تضخ الماكينات الإعلامية والبحثية روايات متكررة عن صراعات أيديولوجية، وحروب دينية، ونزاعات نووية. إلا أن القراءة العميقة لما وراء الستار تكشف أن العالم لا يعيشه عصر "صدام الحضارات"، بل عصر هندسة الابتزاز الكوني. فالأحداث في المثلث الملتهب بين واشنطن وطهران
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة