الرئيسية/آراء/الحاجة لطبيب نفسي في المنطقة
آراء

الحاجة لطبيب نفسي في المنطقة

مقالات الرأي
📸مقالات الرأي
اليوم ميديا

عبدالله الجديع

عند الكلامِ في السِّياسة يضمر الحديث عادة عن مفرزات علم النَّفس التَّحليلي، لأنَّ الدول مصالح إستراتيجية، نفوذ ونظام ومؤسسات، فبقدر ما يقترب الحديث من علم الاجتماع السِّياسي يبتعد عن علم النَّفس في بادئ الرأي! لكن ليس هذا دائمًا دأب المحلِّلين في دوائر صنع القرار، فكثير من الشَّخصيات النافذة لا يمكن تحليلها بمعايير السِّياسة المجردة بقدر الغوص في أشخاصهم لمعرفة ما تحت غلاف التَّصريحات المعلنة، فاضطرابات الشَّخصية النَّرجسية مثلًا لم تكن منفصلة عن عالم السياسة، ففي سنة 1943 كلَّفت وكالة الاستخبارات الإستراتيجية الأمريكية (OSS) الطَّبيب النفسي والتر لانجر فأعد دراسة عن هتلر وكانت بعنوان (The Mind of Adolf Hitler) وتنبأ فيها بأنَّ هتلر قد يلجأ إلى الانتحار إذا ضاق الخناق عليه بسبب النَّرجسية المرضية، وهو ما حدث عام 1945.

فلن يكون الحديث عن شخصيات مثل ستالين، هتلر، موسوليني بعيدًا عن عالم التَّحليل النفسي، كمعرفة سبب تجاهل هتلر لنصائح جنرالاته وهو يسعى لتحطيم (ستالينجراد) لأنها تحمل اسم خصمه في الاتحاد السوفيتي: ستالين، وفي سياق السِّياسة تبرز (عقدة الأخ الأصغر) التي تشكِّل جزءًا أصيلًا من نظرية ألفرد أدلر أحد روَّاد علم النَّفس، لتنحت هذه العقدة سمات شخصية، مبناها أنَّ الأخ الأصغر هو الأضعف والأقل خبرة في الأسرة، فيعيش في حالة مقارنة دائمة مع إخوته، ويشعر أنَّه مهما فعل لن يصل إلى مستوى الأخ الأكبر، ليتحوَّل على إثرها إلى مشاكس، يحثُّه الشُّعور بالحاجة الملحِّة لأن يتحوَّل إلى مركز الاهتمام في أيِّ مجموعة يوجد فيها، فقد نشأ في أسرة تعامله بتحفظ إذ إنَّ كلام الكبار لا يقال أمامه، وهو يحتاج أن يبرز لكنَّ معيقه الأساسي قلَّة الخبرة وضعفه في سلسلة الهرم العمري في الأسرة.

اقرأ أيضًا: اطّلع على أحدث مقالات الرأي والتحليلات المعمّقة

هذه العقدة تفسر لماذا ينظر كثيرٌ من المحسوبين على اللغة السِّياسية إلى الدول الأكبر بعين المقارنة، ويزعجهم التَّسليم بعدم القدرة على المنافسة، فيختارون لهذا سلوك المشاغبة، فهي التي تجلب الاهتمام الإعلامي وحديث الصَّحافة، حتى لو كان أصحابها على المدى البعيد يحرقون جسور العلاقات التي تضمن مصالحهم الكبرى، ويتحول النَّظر إلى الدول الأكبر إلى ما يماثل مصطلح جورج أورويل في روايته (1984): الأخ الكبير، الذي جعله رمزًا للسُّلطة والاستبداد والرقابة الشَّاملة، ولم يكن خفيًا أنَّه قصد ستالين، ولذلك رشحت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية روايته للظُّهور الإعلامي في سياق الحرب الباردة ثقافيًا.

هذا التَّحالف بين الأدب والسِّياسة، يوضِّح سببًا نفسيًا للعديد من السِّياسيين حين ينظرون إلى الدُّول الكبيرة على أنَّها «الأخ الكبير» بمفهوم أورويل، فيندفعون نحو تشريع التَّمرد والمشاكسة، ويمتلئ معجمهم السِّياسي بتسمية الأمور بغير أسمائها، فالتنسيق السِّياسي يصبحُ مرفوضًا بحجَّة أنَّه (وصاية)، والتمسُّك بالأخطاء التي تضرُّ بالأمن القومي لغيرهم يضحي (استقلالًا)، رغم أنَّ الدول الأكبر قد تكون نظرتها أوسع، مع مراعاة أنَّها ليست مماثلة في تعاملها معهم للحزب الشيوعي الذي عدَّت تقارير استخباراته أنفاس مواطنيه عبر الشرطة السِّرية، فلا تخضع الدول الصغيرة إلى ما يماثل علاقة ستالين بدول الاتحاد السُّوفيتي، حين يموت الآلاف في العمل بالسخرة في أرخبيل جولاج كما صوره سولجينيتسين وهو يحكي سجن أقوامٍ لأنهم تعبوا من التَّصفيق للزَّعيم!

حين لا يكون هذا هو الحال، ومع ذلك تتلاحق المشاغبات، ويتتابع تشويه الدُّول الأكبر بما يصيِّره إلى نهج كأنَّ من يكبره مستبد تحت عنوان الأخ الكبير، بهدف تحوُّل الأصغر إلى اهتمام العالَم وحديث الدُّنيا، وهو الذي يقيم علاقاته خارج الأسرة بما يضرُّ بالعائلة وجميع الأشقاء، رغم أنَّه يعي تمامًا أنه إن ضاقت عليه فلن يجد ملجأ له إلا الأخ الكبير بالمفهوم الإيجابي، فلم تكن الوصايا السِّياسية بنظره سوى نصائح لقليلي الخبرة لتجنُّب مشكلات أكبر، ولم يكن ازدهار الأخ الأصغر سوى محل غبطة ممن يكبرونه، يريدونه أن يتقدَّم بل يفخرون بهذا، لكنَّه لا يرى ذلك كافيًّا لسدِّ عقدة النَّقص الملازمة، وبدل العمل على كبح جماح هذه العقدة لصالح النَّظر الاستراتيجي، يجعلها كأنَّها دفة سياسته، بالتحريض وتشويه كلِّ نصيحة سياسية، ما دامت موجهة ضد الدول الأكبر التي يستند إليها.

وليست الدول على مصاف متساوية، كبيرة كانت أو صغيرة، فهناك دول احتلال كإسرائيل حتى لو كان حجمها صغيرًا فإنَّها تستقوي بالتقنية والاستخبارات والدعم الغربي، فعلاقة الأخ الأصغر معها وانخراطه في مشاريعها لا تقويه بل تضعفه، وعليه أن يعرف أنَّه حين تنصحه دولة أكبر قد عرف منها غاية الجهد في حماية أصدقائها وحلفائها، فإنَّ الأفضل له أن يخفِّفَ عن نفسه حدَّة الاحتكام إلى تلك الحساسية من كل من هو أكبر منه، فعليه باختصار أن يتخلَّص من عقدة الأخ الصَّغير!

"
عبدالله الجديع عند الكلامِ في السِّياسة يضمر الحديث عادة عن مفرزات علم النَّفس التَّحليلي، لأنَّ الدول مصالح إستراتيجية، نفوذ ونظام ومؤسسات، فبقدر ما يقترب الحديث من علم الاجتماع السِّياسي يبتعد عن علم النَّفس في بادئ الرأي! لكن ليس هذا دائمًا دأب المحلِّلين في دوائر صنع القرار، فكثير من الشَّخصيات النافذة لا يمكن تحليلها بمعايير السِّياسة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة