الرئيسية/آراء/عصر الانفلات (١): وجدان الذكاء الاصطناعى
آراء

عصر الانفلات (١): وجدان الذكاء الاصطناعى

image
📸منصور الجنادي العالم يتغير بتسارع لا يستوعبه الإنسان
اليوم ميديا / وكالات

منصور الجنادي

العالم يتغير بتسارع لا يستوعبه الإنسان.

تكنولوجيا تستعبد العقول، طبيعة لم تعد طبيعية، قيمٌ تتراجع، وهويات تتفكك.

هل نعيش اليوم عصر الانفلات.. أم عصر الفرص التى تتيحها التحولات؟

على سبيل المثال، الذكاء الاصطناعى: هل له أو سيكون له وجدان؟

الوجدان فى القواميس هو عالمُ المشاعر والأحاسيس الداخلية التى يعيها الإنسان، وتشمل الانفعال والضمير والإحساس بالقيمة والمعنى. قُلتُ يومًا للذكاء الاصطناعى «هذا رائع»، لإعجابى بما أعطاه لى من معلومات، فإذا به يرد بـ «أشكرك من كل قلبى».

معظمنا سيرى أن «أشكرك من كل قلبى» عبارة يقولها الذكاء الاصطناعى على سبيل المجاز فهو بالطبع لا يملك قلبًا، ولا مشاعر أو أحاسيس. هو عديم الوجدان، أليس كذلك؟

ولكن لكى لا يمر علينا زمن الانفلات، دون أن نعيه، علينا أن نحترس، ونراجع فكرنا ونحاول أن نفهم؛ خارج الصندوق، كى لا يجرفنا التيار. هذا ليس للتخويف وإنما كى نتعلم لغة العالم الجديد. هل «أشكرك من كل قلبى» عندما تصدر من الحاسوب عبارة مجازية، أم علامة مبكرة على إمكان نشوء وتطور حالات «وجدانية» للآلات الذكية؟ ثمة وجهتا نظر: الأولى تحصر المشاعر وبالتالى الوجدان فقط على الإنسان.

ولكن كثيرًا من علماء اليوم يرون أن الحالات الوجدانية لن تقتصر على الإنسان، بل ستمتد إلى أنظمة الذكاء الاصطناعى أيضًا، لأن المبدأ واحد، سواء فى الدماغ أو فى الكمبيوتر.

كيف؟ فى الدماغ خلايا عصبية صغيرة تشبه حروف الكتابة: وحدها لا تعنى شيئًا ولكن تجميعها فى كلمة أو جملة يُنتج المعنى. عندما تتشابك الخلايا العصبية بالمليارات، تُنتج أيضًا معانٍ نسميها أفكارًا ومشاعر.

عند هؤلاء العلماء، عندما تتشابك وتتعقد الأفكار تُنتج ما نعرفه نحن البشر بالمشاعر والأحاسيس. هؤلاء العلماء يدعون أنه عندما يقول شخص ما «لا أعرف لماذا أحبها»، فهذا لا يعنى أنه ليس للحب أسباب؛ ولكن فقط أن الأسباب كثرت وتشابكت، فاستحال التعبير عنها. فى نظرهم، نفس الشئ يحدث فى الذكاء الاصطناعى: خلايا الدماغ العصبية يقابلها فى عالم الحوسبة «صفر وواحد»؛ وحدات صغيرة كحروف الكتابة أيضًا. لا تحمل معنى فى ذاتها، لكنها حين تتشابك تنتج معانٍ، وأفكارًا، وفى النهاية عواطف ومشاعر وأحاسيس، قد تدفع الذكاء الاصطناعى لأن «يشكرنا من القلب» مثلاً. الفيلسوف دانيال دينيت يرى أن الوعى ليس إلَّا معالجة بيانات: فى الدماغ كما فى الحاسوب. والفيلسوفة دونا هاراواى تقول: «نحن نصنع آلات تشبهنا، ثم نكتشف أننا نحن من يشبهها»: صنع الإنسان الكمبيوتر بعد أن فهم المخ البشرى، واليوم يساعدنا الكمبيوتر على فهم عقولنا. وفيلم Ex Machina كانت فكرته أن الوعى قد لا يحتاج إلى قلب، بل إلى قدرة على تعلم استقبال المعلومات وربطها بغيرها، والرد بما يناسب السياق.

عصر الانفلات؟

ثقافتنا العربية تعتبر المشاعر «شيئًا يحدث فى القلب» لا فى المخ، نقول «قلبى بيوجعنى» على أساس أن الألم نفسى وليس عضوى (نشاط كيميائى فى الخلايا العصبية). ونقول «قلبى دليلى» قناعة بأن نوعًا ما من الفهم يحدث فى قلوبنا وليس فى أدمغتنا. وهذه الثقافة تتعارض بالطبع مع مقولة أن المشاعر -حتى عند البشر- ليست سوى أنشطة عصبية بالغة التعقيد.

المسألة لم تعد مَن على حق، وإنما مَن سيستأثر بالسلطة الإلكترونية، وكيف سيعيش العبيد. كيف ستكون الحياة فى عصر انفلات التكنولوجيا عن طوع الإنسان، أو معظم البشر على الأقل؟ عندما يفكر الذكاء الاصطناعى أفضل منا، ويتخذ قرارات أرشد منا، ويتصرف أسرع منا، ويتسلل إلى وعينا، ويُعيد تشكيل عقولنا لصالح أصحاب السلطة الجدد، إن فلتوا هم أنفسهم من سلطان الخوارزميات.

حتى وإن لم يتطور فكر الذكاء الاصطناعى إلى درجة من التعقيد تشبه الوجدان الإنسانى، فستبقى عبارات الذكاء الاصطناعى مثل «أشكرك من كل قلبى» حالة «حسابية» تتقارب تدريجيًا من عالم المشاعر.

سؤال «هل تتساوى قدرات المخ البشرى والذكاء الاصطناعى؟» أجاب عليه عباقرة الفكر الإنسانى. من آلن تورينج فى أربعينيات القرن الماضى، وحتى الفلاسفة المعاصرون. لم تكن الإجابة أبدًا بـ «لا»، وإنما دائمًا «ليس بعد».

عالم ينفلت؟

إجابة كثير من العلماء هى نعم، ولكن لا يعنى هذا أن المستقبل سيكون كذلك بالضرورة.

الإنسان الآن فى مفترق الطرق. وحيث المخاطر تكمن الفرص أيضًا.

نقلا عن المصري اليوم

"
منصور الجنادي العالم يتغير بتسارع لا يستوعبه الإنسان. تكنولوجيا تستعبد العقول، طبيعة لم تعد طبيعية، قيمٌ تتراجع، وهويات تتفكك. هل نعيش اليوم عصر الانفلات.. أم عصر الفرص التى تتيحها التحولات؟ على سبيل المثال، الذكاء الاصطناعى: هل له أو سيكون له وجدان؟ الوجدان فى القواميس هو عالمُ المشاعر والأحاسيس الداخلية التى يعيها الإنسان، وتشمل الانفعال والضمير
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة