الرئيسية/آراء/الجرأة فى اتخاذ القرار الصائب
آراء

الجرأة فى اتخاذ القرار الصائب

لقطة الشاشة 1446-05-27 في 7.08.02 ص
📸لقطة الشاشة 1446-05-27 في 7.08.02 ص
اليوم ميديا

مصطفى الفقي

علمتنى ممارسة التعامل مع الكبار والغوص فى دهاليز الحياة السياسية أن هناك أمورًا ترتبط بالشعور الوطنى ويكون التأثير فيها أقوى من غيرها، وما أكثر أسباب الضعف وعوامل التراجع إذا أحجم المرء عن اتخاذ القرار الصحيح فى الوقت المناسب، وأتذكر ذات مرة صبيحة تشكيل وزارى جديد فى مطلع تسعينيات القرن الماضى أن همس فى أذنى شخص أعرفه جيدًا ولا أشكك فى سوء نواياه قائلاً لى: (أرجو أن تبلغ رئيس البلاد ولى الأمر أن المرشح لمنصب رئيس محكمة استئناف القاهرة هو المستشار ألفونس رياض، ولذلك الموقع حساسية خاصة لأنه هو الذى يأمر بتشكيل دوائر التحقيق مع المتطرفين الإسلاميين، وقد يكون من المستحسن العزوف عن هذا الاختيار فى هذا التوقيت تحديدًا، وأضاف أننا لا نجد سوابق لذلك يمكننا أن نستند إليها) فقلت له إننى سأنقل ما قاله إلى ولى الأمر وهو فى النهاية صاحب القرار. علمًا بأننى غير مقتنع بهذا التفسير.

فالقاضى المصرى يحتل مكانًا رفيعًا يجعله فوق الملاحظات حتى لو كانت النوايا طيبة، لأن من يملك حق المدح يملك أيضًا حق الذم، وما إن أبلغت الرئيس السابق مبارك بذلك حتى غضب بشدة وقال (ابحث لى فى شأن هذا المرشح إلى أى دولة ينتمى؟ هل هو يونانى أم مكسيكى أم يابانى أم ماذا؟) فقلت له إنه قاضٍ مصرى تدرج فى سلك القضاء منذ تخرجه ونحن نعتز أن يكون من أقباط مصر، فقال الرئيس (إننى لا أتفهم تلك الملاحظة التى نقلتها لى ولا أفهم مغزاها، فاسأل لى عن موعد أداء اليمين أمامى الذى يؤديه المستشار ألفونس رياض بغض النظر عن أى ملاحظات أخرى) وبالفعل أدى المستشار ألفونس رياض اليمين الدستورية فى موعده رئيسًا لمحكمة استئناف القاهرة باعتبارها أهم المحاكم القائمة.

ولم يحدث أبدًا ما يعكر الصفو أو يجافى الحقيقة، فتولى الرجل مهمته وأداها باقتدار وسقطت المخاوف التقليدية من تعيين كبار القضاة من الأقباط فى المواقع العليا فى سلك العدالة، حتى وصل الأمر بنا حاليًا أن رئيس المحكمة الدستورية العليا هو قبطى مصرى رفيع الشأن وأعنى به المستشار بولس فهمى، وأتذكر أيضًا أن جاءنى ذات يوم دبلوماسى شاب أعتبره من أقرب تلاميذى إلى وقال لى إنه يريد أن يلتحق بالعمل بإدارة السلك الدبلوماسى ولكنه لاحظ أنه لم يعمل بها دبلوماسيون أقباط من قبل، فسألت الوزير أحمد ماهر، وزير الخارجية وقتها: هل هناك ما يمنع أن يعمل دبلوماسى مسيحى مصرى فى إدارة السلك الدبلوماسى؟، فأجابنى أنه لم يسمع عن نصٍ بذلك، ولكن يبدو أنه عرف متوارث لا مبرر له.

وقام وقتها بتعيين ذلك الدبلوماسى الشاب فى تلك الإدارة المهمة والتى ترقى فيها حتى أصبح اليوم نائب وزير والكل سعيد به وبإسقاط تلك المخاوف غير المبررة المتعلقة بتولى الأقباط فى بعض الوظائف العامة إذ إن دماء المسلمين والمسيحيين تختلط معًا فى ساحات الحروب دفاعًا عن مصر الغالية، ولقد استقرت تلك التقاليد الجديدة فى وزارة الخارجية حتى أن إحدى الدبلوماسيات التى خدمت بعد ذلك فى نفس الإدارة التى لم تكن متاحة لها ولنظيراتها من قبل إلى منصب الوزارة، فكانت وزيرة ناجحة فى وقتها. إننى بذلك أريد أن أقول إن هناك قرارات يصنعها الخيال ويغذيها الوهم حتى إذا أطلت أشعة الاستنارة كان لنا أن نتخلص من بعضها فى أقرب وقت، حمى الله الوطن الذى استقرت لديه تقاليد المواطنة الواحدة فى كل الظروف.

*نقلاً عن “المصري اليوم”.

  • تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

"
مصطفى الفقي علمتنى ممارسة التعامل مع الكبار والغوص فى دهاليز الحياة السياسية أن هناك أمورًا ترتبط بالشعور الوطنى ويكون التأثير فيها أقوى من غيرها، وما أكثر أسباب الضعف وعوامل التراجع إذا أحجم المرء عن اتخاذ القرار الصحيح فى الوقت المناسب، وأتذكر ذات مرة صبيحة تشكيل وزارى جديد فى مطلع تسعينيات القرن الماضى أن همس فى
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة