الرئيسية/التحليلات/من اليمن إلى سوريا: هل تشتري السعودية الاستقرار والنفوذ؟
التحليلات

من اليمن إلى سوريا: هل تشتري السعودية الاستقرار والنفوذ؟

ولي العهد السعودي وخريطة اليمن وسوريا
📸ولي العهد السعودي وخريطة اليمن وسوريا
اليوم ميديا

منذ سنوات، اعتادت المنطقة العربية أن ترى النفوذ يُفرض عبر الدبابات، والقرارات تُكتب في غرف العمليات العسكرية. لكن المشهد اليوم يتغير بهدوء لافت. من اليمن إلى سوريا، تتحرك السعودية بأسلوب مختلف، أقل ضجيجًا وأكثر تعقيدًا، مستندة إلى المال والاستثمار وإعادة ترتيب مراكز القوة بدل المواجهة المباشرة. في هذا التحول، لا يبدو المال مجرد أداة دعم، بل لغة سياسية كاملة، تحمل وعود الاستقرار كما تحمل مخاطر إعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة.

اليمن: حين يصبح المال أداة حكم

في اليمن، وبعد خروج الإمارات من المشهد، وجدت السعودية نفسها اللاعب الوحيد القادر على الإمساك بملف بالغ التشابك. دولة ممزقة، فصائل مسلحة متعددة الولاءات، واقتصاد أنهكته الحرب حتى بات عاجزًا عن دفع رواتب أبسط موظفيه. هنا دخل المال السعودي كبديل عن القوة العسكرية المباشرة. مليارات الدولارات التي تحدثت عنها تقارير رويترز لم تُضخ فقط لإنقاذ حكومة معترف بها دوليًا، بل لإعادة رسم خريطة السيطرة والنفوذ داخل اليمن.

الرواتب لم تعد مجرد استحقاق وظيفي، بل أداة سياسية. من يتلقى الدعم يلتزم بالمسار، ومن يخرج عنه يجد نفسه معزولًا أو مُستبعدًا. بهذه الطريقة، تحاول الرياض إعادة إخضاع الفصائل المسلحة للسلطة المركزية، وتوحيد القرار العسكري، ومنع الانفلات الذي قد يقود إلى تفكك نهائي للدولة. المال هنا لا يعمل وحده، بل يتحول إلى شكل غير معلن من الحكم، يفرض الانضباط دون إعلان رسمي، ويُبقي القرار النهائي خارج الحدود اليمنية.

الجزرة والعصا: إدارة الصراع لا إنهاؤه

لم يكن المال وحده كافيًا لتحقيق هذه الأهداف، لذلك لجأت السعودية إلى مزيج دقيق من الترغيب والترهيب. القيادات السياسية والعسكرية اليمنية وجدت نفسها بين وعود سياسية مستقبلية، وإشارات واضحة بأن الخروج عن الخط المرسوم لن يمر بلا ثمن. استضافة شخصيات جنوبية بارزة في الرياض، توفير بيئة تفاوضية مريحة، والتلويح بإمكانية تقرير مصير الجنوب بعد تسوية الصراع مع الحوثيين، كلها كانت جزءًا من سياسة الجزرة.

في المقابل، لم تتردد الرياض في استخدام العصا حين شعرت بأن المسار مهدد. إقصاء شخصيات، تجميد أدوار، وفرض قيود مباشرة، في رسالة مفادها أن إدارة الملف اليمني لم تعد تحتمل المغامرات الفردية. الهدف لم يكن إنهاء الصراع بقدر ما كان ضبطه، ومنعه من الخروج عن السيطرة، وإبقاؤه ضمن حدود يمكن التحكم بها سياسيًا وأمنيًا.

اقتصاد الحرب: الفاتورة الخفية

لكن خلف هذه الحسابات السياسية، تظهر فاتورة اجتماعية واقتصادية ثقيلة. في مدن يمنية عديدة، باتت الحرب أكثر ربحًا من السلام. المقاتل يتقاضى راتبًا يفوق بأضعاف ما يحصل عليه المعلم أو الموظف المدني. التعليم يتراجع، والمهن المدنية تفقد قيمتها، بينما تُكافأ ثقافة السلاح والانخراط في القتال.

جيل كامل ينشأ وهو يرى أن البندقية طريق أسرع للعيش من الكتاب، وأن الانضمام إلى فصيل مسلح أكثر جدوى من إكمال الدراسة. هذه الحقيقة تجعل أي حديث عن السلام هشًا، لأن اقتصاد الحرب لا ينتهي بتوقيع اتفاق، بل يتطلب تفكيكًا طويل الأمد لمنظومة مصالح ترسخت على مدار عقد كامل من الصراع.

سوريا: الاستثمار بدل الرصاص

على الجبهة السورية، يبدو المشهد مختلفًا في الشكل، لكنه متقاطع في الجوهر. هنا، لم تدخل السعودية من بوابة السلاح أو الفصائل، بل من باب الاستثمار. مطارات تُعاد تأهيلها، شركات طيران مدني، شبكات اتصالات، ألياف ضوئية، مشاريع مياه وتحلية، كلها تشكل شبكة اقتصادية واسعة تهدف إلى إعادة ربط سوريا بالعالم بعد سنوات من العزلة.

وتشير تقديرات مراقبين إقليميين إلى أن هذه الحزمة الاستثمارية أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا، مع ملاحظات على قدرة الرياض على تحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية والسياسية وبين التحديات المحلية، ما يبرز البعد الإقليمي والدولي للصراعات والتحولات.

الرسالة واضحة. الاستقرار في سوريا، من وجهة النظر السعودية، لا يبدأ من السياسة، بل من الاقتصاد. خلق وظائف، إعادة تشغيل البنية التحتية، وتحريك عجلة الحياة اليومية، على أمل أن يؤدي ذلك إلى استقرار تدريجي يسبق أي تسوية سياسية شاملة. هنا، لا تُشترى الولاءات بالسلاح، بل بفرص العمل والاستثمار والاندماج الإقليمي.

من اليمن إلى سوريا: نموذج واحد؟

رغم اختلاف الأدوات، يظل السؤال قائمًا. هل نحن أمام نموذج سعودي واحد يُطبّق بطرق مختلفة؟ في اليمن، المال لضبط السلاح وإدارة الفصائل. في سوريا، الاستثمار لبناء الثقة وإعادة الإدماج. في الحالتين، تسعى الرياض إلى لعب دور المهندس الإقليمي للاستقرار، مستفيدة من ثقلها المالي وقدرتها على التحرك في الفراغات التي تركها الآخرون.

لكن التجربتين تكشفان أيضًا حدود هذا النموذج. المال قادر على شراء الوقت، وتهدئة الجبهات، وإعادة ترتيب الأولويات، لكنه لا يضمن وحده سلامًا مستدامًا. المجتمعات الخارجة من الحرب تحتاج أكثر من التمويل، تحتاج إلى مصالحة حقيقية، وإعادة بناء للثقة، وتفكيك عميق لثقافة العنف التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.

اليوم، تبدو السعودية في موقع اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيرًا في ملفات معقدة كاليمن وسوريا. لكنها تقف أيضًا أمام اختبار تاريخي. إما أن ينجح هذا النهج في تحويل المال من أداة نفوذ مؤقتة إلى أساس لاستقرار طويل الأمد، أو أن يتحول إلى مجرد مسكن يؤجل الانفجار دون أن يمنعه. في الشرق الأوسط، حيث الذاكرة طويلة والجراح عميقة، يبقى السؤال مفتوحًا، بلا إجابة سهلة، وبلا ضمانات.

"
وتشير تقديرات مراقبين إقليميين إلى أن هذه الحزمة الاستثمارية أثارت اهتمامًا دوليًا واسعًا، مع ملاحظات على قدرة الرياض على تحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية والسياسية وبين التحديات المحلية، ما يبرز البعد الإقليمي والدولي للصراعات والتحولات.
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة