
في عالم يترقب باستمرار قوة الدولار الأمريكي واستقرار الاقتصاد العالمي، أثار تقرير نشرته مجلة نيويوركر الأميركية موجة من القلق بين الاقتصاديين والمستثمرين على حد سواء، محذرًا من أن السياسات الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب قد تؤدي إلى هزيمة الدولار أو تراجع قيمته بشكل كبير.
تفاقم الدين الأمريكي إلى مستويات قياسية، تجاوزت 38 تريليون دولار، فيما سجل العجز في الموازنة نحو 1.8 تريليون دولار في العام الماضي، يضاف إلى ذلك اعتماد الحكومة الأمريكية على تمويل هذا العجز من خلال بيع السندات والأصول للدائنين الأجانب، ما جعل الاقتصاد الأمريكي معرضًا لتقلبات خارجية كبيرة.
وفي الوقت نفسه، تبنّى ترامب سياسات انعزالية صارمة، وتراجع عن الالتزامات الدولية، مهددًا الحلفاء الأوروبيين بفرض رسوم جمركية وتهديد غرينلاند بالضم، في خطوة أثارت استياء واسعًا وأدت إلى شعور المستثمرين بعدم الاستقرار. بحسب إسوار براساد، أستاذ الاقتصاد بجامعة كورنيل، فإن هذه السياسات تخلق لحظة قطيعة بين الولايات المتحدة وحلفائها، ما يجعل الأوروبيين وغيرهم من المستثمرين الأجانب أكثر ترددًا في ضخ الأموال في الاقتصاد الأمريكي.
في الأسواق المالية، ظهر هذا القلق سريعًا؛ إذ انخفض الدولار بنحو 3% في فترة قصيرة، وهو انخفاض مهم على الرغم من أنه قد يبدو بسيطًا للمتابع العادي، نظرًا لأن سوق الدولار يعتبر من الأسواق شديدة السيولة والنادرة في قفزاتها المفاجئة.
وقال براد سيتسر، الزميل الأول في شؤون الاقتصاد الدولي بمجلس العلاقات الخارجية، إن تراجع الدولار يتوافق مع تحركات المؤسسات الأوروبية الكبرى وصناديق التحوط، التي بدأت تعيد النظر في استثماراتها في الأصول الأمريكية، محذرة من مخاطر التردد السياسي والاقتصادي.
السياسات الداخلية لترامب لم تكن أقل تأثيرًا؛ فقد قوض استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهاجم الركائز القانونية والرقابية التي دعمت الاقتصاد الأمريكي لعقود، ما أضاف مزيدًا من المخاطر على هيمنة الدولار كعملة عالمية مهيمنة وموثوق بها. ومن جهة أخرى، فإن أي تراجع في ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد الأمريكي قد يؤدي إلى موجة بيع واسعة، قد تؤدي إلى دوامة هبوطية لليرة الأمريكية على المدى الطويل.
ورغم هذه المخاطر، يظل الدولار محميًا جزئيًا بسبب قوة الاقتصاد الأمريكي، وغياب بدائل مناسبة للأصول الأمريكية، وارتفاع العوائد على السندات، فضلًا عن أن الدولار يظل ملاذًا آمنًا في عالم مليء بالتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية. ومع ذلك، فإن أي تهديد جدي للدور العالمي للدولار سيؤدي إلى تداعيات هائلة على الأسواق العالمية، خاصة أن الاقتصادات الأوروبية تمتلك نحو ثمانية تريليونات دولار من الأصول الأمريكية، وهو ما يجعل أي تراجع مفاجئ له آثارًا متسلسلة على الموازنات العالمية والتجارة الدولية.
وفي سياق آخر، أشار الخبراء إلى أن سياسات ترامب قد تكون مدفوعة أيضًا برغبة في تحسين تنافسية الصادرات الأمريكية عبر خفض قيمة الدولار، ما يجعل منتجات مثل حفارات “كاتربيلر” والتوربينات الصناعية أكثر قدرة على المنافسة عالميًا، رغم الأثر السلبي على المستهلك الأمريكي بسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة.
وفي نهاية التحليل، يبقى السؤال الأساسي: هل سيستمر الدولار في التراجع تحت ضغط سياسات ترامب، أم أن التوازنات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك قوة الاقتصاد الأمريكي، وعدم وجود بدائل فعالة، ستنقذ العملة الأمريكية من الانهيار المحتمل؟ وفي ظل استمرار ارتفاع الدين الأمريكي وغياب خطة واضحة للاحتواء، يبدو أن المخاطر الاقتصادية تتصاعد تدريجيًا، بينما تراقب الأسواق العالمية أي خطوة جديدة للرئيس الأمريكي قد تغيّر مسار الدولار ومستقبل الاقتصاد العالمي بأكمله.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *