الرئيسية/آراء/أسئلة التفاوض والحرب: المشكلة في الداخل
آراء

أسئلة التفاوض والحرب: المشكلة في الداخل

ترامب وعلم إيران في صورة توضيحية تعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران
📸ترامب وعلم إيران في صورة توضيحية تعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران
اليوم ميديا

رفيق خوري

خطاب البداية كلاسيكي كالعادة، أميركا وإيران ترفعان شعاراً واحداً من موقعين وموقفين مختلفين: الأولوية للتفاوض، لكننا على استعداد للحرب. ولا أحد يعرف إلى متى يستمر اختبار التفاوض بعد جولة عمان بين موفد الرئيس دونالد ترمب إلى كل مكان ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر وبين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، غير أن الكل يدرك معنى أن يشارك في التفاوض للمرة الأولى قائد القيادة الأميركية الوسطى الأدميرال كوبر.

والكل يعرف أن مستقبل التفاوض مرتبط بما يمكن أن يقدم عليه الطرفان من تنازلات بعد البدء من السقوف العالية التي تجعل عمر المفاوضات قصيراً جداً، فلا الحشد العسكري الضخم الذي أمر به ترمب مجرد عرض لإظهار العلم وممارسة الضغوط، ولا إعلان المرشد الأعلى علي خامنئي أن الرد على أية ضربة أميركية هو “حرب إقليمية” وسط استنفار عسكري كامل في إيران وأذرعها، هو مجرد تهويل.

فضلاً عن أن اللعبة في التفاوض والحرب ليست فقط بين لاعبين بمساعدة وسيط عماني، بل هي أيضاً محل اهتمامات أساسية من إسرائيل وتركيا ومصر والسعودية وبقية دول الخليج، إلى جانب لبنان والعراق وصنعاء وكل الدول المتشاطئة على البحر الأحمر والدول التي يمر منها وإليها النفط عبر مضيق هرمز، ولا أحد يشتري بضاعة التشاطر الذي يمارسه الوزير عراقجي بالقول إن بلاده ستقصف القواعد العسكرية الأميركية في بلدان الخليج وسواها لا تلك البلدان، فمن الصعب حصر القصف بالقواعد العسكرية من دون تأثر البلدان، والحرب الإقليمية مسألة أكبر من قصف قواعد أميركية.

والواقع أن طهران التي تقول إنها اليوم أقوى مما كانت عليه بعد تعلمها الدروس من حرب ال12 يوماً هي “أضعف وأكثر عزلة مما كانت عليه في الماضي، لا تستطيع فرض إرادتها على المنطقة أو حتى الدفاع عن حدودها وشعبها”، كما ترى نائبة رئيس بروكينغز سوزان مالوني في مقال تحت عنوان “يأس إيران الخطر”، لكنها تعتقد أن “إيران تبقى لاعباً خطراً ومصدراً قوياً لعدم الاستقرار، إذ حصلت أميركا وإسرائيل على ثيوقراطية إسلامية عنيفة مع قنبلة نووية، لأن قادة إيران يرون بعد سقوط نظام بشار الأسد وضرب ’حزب الله‘ أن القنبلة هي خيارهم الوحيد”.

ومن هنا دقة المفاوضات وخطورتها، فما يطلبه ترمب من إيران هو نزع أنيابها وقوتها الصاروخية، والامتناع عن قمع شعبها، والتخلي عن أذرعها في اليمن والعراق ولبنان وغزة، ولا مجال لأن يفعل النظام ذلك لأنه “انتحار سياسي” له، فهو يحسب أن كلفة الحرب أقل من كلفة تسوية تأخذ منه أساس وجوده، وما تعرضه طهران هو تسوية شكلية في الملف النووي يبدو بعدها ترمب نمراً من ورق أمام قوة إقليمية تحافظ على مصادر قوتها وأذرعها وتمارس الاستكبار والغطرسة على المنطقة، وليس هذا سهلاً على واشنطن والإقليم.

لكن مشكلة النظام الحقيقي هي في الداخل، لا مع أميركا، وإذا كانت “الدولة العميقة” قادرة على حماية النظام بالقمع والعنف، فإن “الأزمة البنيوية” أقوى منها، لماذا؟ لأن عوامل الخطر على النظام تكاد تتكامل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً مع الفساد وسوء الإدارة والإصرار على الاستمرار في قمع المعارضين، بعدما التفوا حول النظام كوطنيين في مواجهة حرب أميركية – إسرائيلية ضد الوطن، فقد نقلت “رويترز” عن مصادر مطلعة “أن مسؤولين إيرانيين أبلغوا المرشد خامنئي أن الغضب الشعبي من حملة القمع الأخيرة بلغ مستوى لم يعد فيه الخوف رادعاً، وأن عدداً كبيراً من الإيرانيين مستعدون لمواجهة قوات الأمن”، وهذا “كعب أخيل” النظام، فالاتحاد السوفياتي انهار عندما طلب غورباتشوف من أجهزة الأمن الكف عن قمع الناس في وضع اقتصادي واجتماعي صعب، ونظام الجمهورية الإسلامية الذي صار 70 في المئة من الشعب ضده يعيش على القمع بواسطة الباسدران والباسيج، وفي الماضي أسهم الرئيس باراك أوباما في قتل “الحركة الخضراء” التي انتفضت ضد تزوير الانتخابات الرئاسية، وأسهم جو بايدن في قتل انتفاضة لا “ثورة، حرية، حياة” بعد مقتل الشابة مهسا أميني، والسبب هو الرهان على الاتفاق النووي مع طهران، أما اليوم، فإن الوضع مختلف، وإن جرى قمع الانتفاضة بقسوة وسرعة وثمن كبير.

وليس قليلاً ما تكشفه الأصوات من الداخل، رئيس تحرير “طهران تايمز” محمد صدقي رأى أن الوقائع الأخيرة هي “انقلاب ما بعد الحداثة”، وتحدث عن “خطر تحويل إيران إلى ليبيا أو سوريا، ومن يظن أن وقائع الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي انتهت هو ساذج، وخيار غالبية المجتمع هو الحياة”. وكتب مصطفى نجفي مستشار عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد السابق للحرس الثوري الإيراني الجنرال محسن رضايي أن “تراكم الأزمات الاقتصادية التي لم تجر تسويتها، واستنزاف رأس المال الاجتماعي، وتناقص أثر مسار الإصلاح التدريجي، واستمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع، أمور أدت إلى إنتاج الغضب الاجتماعي وحولت الاحتجاج من أشكال ضئيلة الكلفة قائمة على المطالب إلى سلوك أكثر راديكالية”، وفي رأيه فإن “المجتمع يتحرك نحو تزايد الاستقطاب، لا فقط على المستوى السياسي بل أيضاً على مستوى الهوية والأجيال وحتى نمط الحياة”.

وحين يلتقي الفقر واليأس وعدم الخوف من القمع، فإن اللعبة الداخلية تصبح أهم من اللعبة الخارجية، فكيف إذا اجتمعت اللعبتان وكيف إذا صار اللايقين هو اليقين؟

  • تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

"
رفيق خوري خطاب البداية كلاسيكي كالعادة، أميركا وإيران ترفعان شعاراً واحداً من موقعين وموقفين مختلفين: الأولوية للتفاوض، لكننا على استعداد للحرب. ولا أحد يعرف إلى متى يستمر اختبار التفاوض بعد جولة عمان بين موفد الرئيس دونالد ترمب إلى كل مكان ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر وبين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، غير أن الكل يدرك
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة