الرئيسية/آراء/«عبدالهادى بلخيّاط».. رحيل صوت جَمَعَنَا
آراء

«عبدالهادى بلخيّاط».. رحيل صوت جَمَعَنَا

"آراء اليوم" – نافذة إلى فكر الكُتاب والمفكرين
📸"آراء اليوم" – نافذة إلى فكر الكُتاب والمفكرين
اليوم ميديا

خالد عمر بن ققه

فقدت السّاحات المغْربيّة والمغَاربيّة والعربيّة فى 30 يناير الماضى 2026م، الفنان صاحب الصوت الجامع «عبدالهادى بلخيّاط» (1940- 2026م)، الذى كان حضوره عابراً للحدود، وعاملاً على ترقية الذائقة الفنيّة، ومتمكنا من السكن فى القلوب، خاصة فى العقد الأخير من حياته عندما تحوَّل إلى الإنشاد الدينى.

كنت أودّ التقرب منه كتابة منذ سماع خبر وفاته- فى سعى منِّى، وربما من غيرى- لجعل الفن والثقافة والقول الحسن سُبُلاً إلى عودة قد تحققُ بعض أخوة وعزة بين الجيران، بل بين مَن تذوقوا فن بلخياط داخل الوطن العربى وخارجه، لكن الأحداث المتسارعة ذات الطَّابع السياسى- منها مقتل «سيف الإسلام القذافي»- ألهتنى، ولكنها لم تخرجنى من الحزن على رحيل عبدالهادى بلخياط خلال الأسبوعين الماضيين

أعود اليوم مُذكِّرًا بأن بلخياط جَمَعنا عبْر عقود فى فصل ربيعى أخضر بصوته العذب، وأدائه المتميز، واختياره كلمات الأغانى فى عهد الطّرب الدنيوى، وذلك قبل أن يتحول إلى الإنشاد الدينى، وحينها غدَا ساكناً عالم هذا الأخير فى رحلة سمّو الروح وعلوها، وارتقائها فى شوق إلى ربّها، وهو شوق بعيد بدأ من أن نفخ الله الروح فى الإنسان- آدم عليه السلام- وأمر الملائكة بالسجود له بعد ذلك.

أذكر بلخياط هنا باعتباره حالة جامعة- فنيّاً ووجدانيّاً- ينبغى النظر إليها بعد الرحيل من منظور الإرث الثقافى والميراث العلائقى بين أبناء الأمة، لجهة الاتكاء عليها فى ترميم علاقتنا بالحاضر، وتعبيد طريقنا نحو مستقبل يَشِى بعودة تتجاوز هزَّات الرَّاهن، لكوننا فى أمَسِّ الحاجة إليه ولأمثاله.. أولئك الذين التقينا بهم عند مرافئ الحب وشطآن المودة، وجذبنا الشوق معهم إلى الارتقاء طرباً.

يرحل عبدالهادى بلخياط، تاركاً وراءه زمنيْن من عمر أمته، تحكمهما أطماع الجغرافيا والجهل بالتاريخ، أحدهما زمن مغاربى مخيف ومحزن وقاتل، والآخر: عربى يحمل عبثيّة وتبعيّة، وفى هذين الزمنين- المغاربى والعربى- بلغت قلوب الشعوب الحناجر على خلفيَّة مواقف سياسيَّة لا علاقة لها بها، فرضها عليها وجودها فى أوطان أُوتى فيها الحُكم لمَن أراد لهم الله أن يكونوا فيها، ضمن ابتلاء الحياة لينتهوا إلى مصير يحدده مَن هو أحسن عملاً، فى ظل اعتقاد جازم بأنهم «يُحْسنُون صُنْعاً».

لذلك كلّه، يأسرنا الحزن على وفاة بلخياط، وتشدنا حبال الذكريات إليه، ولن نختصره فى القول: إنه أحد أعمدة الأغنية المغربية، ومن الذين تمكنوا من التربع على عرش الأغنية المغربية لمدة تقارب خمسين سنة- وهو بالفعل كذلك- وإنما وجب القول بحق: لقد كان صوتا عربيّاً ناجحاً، تمكّن من دفع الأطراف نحو الحضور فى دول المركز، كما فى تجاربه السينمائيّة التى خاضها فى المشرق، ومنها الفيلم المصرى «أين تخبئون الشمس» فى 1980م، مع مجموعة من الممثلين المصريين، منهم: عادل أدهم، ونادية لطفى، ونور الشريف، وجلال عيسى.

بقى أن الحديث عن بلخيّاط يقودنا إلى ذكر اعتزاله الغناء عام 2012م بمعناه الدنيوى، وهذا لم يمثل انقطاعاً بقدر ما فتح له أفقاً جديدة فى الغناء، لكن بما رآه سبيلاً إلى الآخرة، ولهذا وجدناه يُحْيى حفلاً دينيّاًّ فى 4 يونيو 2015م، أى بعد اعتزاله الغناء الدنيوى بثلاث سنوات، قدّم فيه مجموعة من الأغانى الصوفيّة، منها: «يا مَن إلى رحمته المفر»، المعروفة باسم «الدُّعاء النَّاصرى»، وهى للإمام «أبوعبدالله محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن ناصر»، المشهور باسم «ابن ناصر الدَّرعى» (1603م ـ 1674م).. فقيه ولغوى وجامع كتب مغربى، وهو من الشخصيات الأكثر تأثيرا فى مسار التصوف المغربى، ويُعَدّ مُجدِّداً للطريقة الشاذلية، ومن أبياتها:

يا مَنْ إِلى رَحْمتِهِ الْمفَرُّ وَمَنْ إِلَيْهِ يَلْجَأُ المُضْطَرُّ

وَيا قَرِيبَ الْعَفْوِ يَا مَوْلاَهُ وَيَا مُغِيثَ كُلِّ مَنْ دَعَاهُ

بِكَ اسْتَغَثْنَا يَا مُغِيثَ الضُّعَفَا فَحَسْبُنَا يَا رَبِّ أَنْتَ وَكَفَى

فَلاَ أَجَلَّ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِك وَلاَ أَعَزَّ مِنْ عَزِيزِ سَطْوَتِك

لِعِزِّ مُلْكِكَ الْمُلُوكُ تَخْضَعُ تَخْفِضُ قَدْرَ مَنْ تَشَا وَتَرْفَعُ

لقد قوبلت عودته إلى التراث الصوفى باستحسان الجمهور المغْربى، وربما أيضا كل مَن استمع إليها من الذين تطْربهم الابتهالات الدينيّة، وترتقى بهم فى عالم الأرواح نحو الملكوت الأعلى، لذا سيظلّ صوته يجمعنا لأنه يسكن القلوب التى فى الصدور، حتى لو خانها اللسان عند التعبير، أو قيّدتها الجغرافيا، أو طغت عليها السياسة عند اللهو وترويج الأباطيل من أطراف- هنا وهناك- لم تحذر قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (سورة فاطر- الآية: 5).

"
خالد عمر بن ققه فقدت السّاحات المغْربيّة والمغَاربيّة والعربيّة فى 30 يناير الماضى 2026م، الفنان صاحب الصوت الجامع «عبدالهادى بلخيّاط» (1940- 2026م)، الذى كان حضوره عابراً للحدود، وعاملاً على ترقية الذائقة الفنيّة، ومتمكنا من السكن فى القلوب، خاصة فى العقد الأخير من حياته عندما تحوَّل إلى الإنشاد الدينى. كنت أودّ التقرب منه كتابة منذ سماع
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة