الرئيسية/آراء/اللغة.. وفوضى القلب
آراء

اللغة.. وفوضى القلب

السعد المنهالي
📸السعد المنهالي
اليوم ميديا

السعد المنهالي

نُصاب بخيبة أمل عندما لا تسعفنا اللغة في التعبير عن مشاعرنا، نعيش في مفارقة مؤلمة، بسبب ذلك الإحساس الذي يبدو جلياً في صدورنا، فيما يصبح التعبير عنه مبهماً، أو غامضاً، هذا إن خرج! صدقوني هذا شعور خانق لمن عاشه، خصوصاً أولئك الذين يمرون بتجارب صادقة، تتحول فيها اللغة إلى هواء عصي لا تسعه صدورهم، وهذا مؤلم حقاً.. ليس لأن إحساس التجربة مؤلم بالضرورة، بل لأن عدم تسميته يربك صاحبه ويحبسه، ويذهب به إلى الفوضى.

تخيّل لو أن الأمر عكس ذلك! هناك فائض في القدرة على وصف المشاعر، غزارة في شرح الإحساس، وتدفق لغوي في سبر العواطف وعرضها، فكيف سيكون حال تلك المشاعر؟!

بدأت بهذه المقدمة لأني أعرف من لديه هذا الثراء في الوصف والتعبير، إنها كاتبة تستطيع أن تحول موقف أو حالة عاطفية إلى عمل أدبي ثري تعرضه على امتداد صفحات رواية، تقرأه بلا ملل، رغم أنه يقول جملة واحدة: «هذا القلب يتعاطى مع الحب بوقار»!

تستخدم الشاعرة والأديبة «كلثم عبدالله» لغتها كشبكة، تصيد بها الشعور وتحميه من غياب المعنى في دوامة الفوضى الداخلية، إنها تُسمي الأحاسيس بحرفية، وتعطي المشاعر شكلاً، وتمنح العواطف وجوداً خارج الجسد، ككائن مستقل تراه وتتعاطى معه.

تضيء كلثم في روايتها «كندة.. عطر يبقى»، اللحظة العاطفية التي تعيشها بطلة روايتها، فتتمكن من رؤية المشاعر والأحاسيس والعواطف على حقيقتها، فتعلمنا أن نسج الجمل والعبارات بكثافة غنيه مستحقة، بلا تقصير أو مبالغة، يجعل مشاعرنا قابلة للتأمل والتطويع، الأمر الذي يحميها من الانزلاق إلى الهاوية.

تستخدم كندة بطلة الرواية في علاقتها مع الشاب دفتراً صغيراً، لا لكي تدوّن فيه مشاعرها فقط، بل لكي تؤطرها، تعيد هندستها لكي يتحمل قلبها ما تشعر به، دون أن ينكسر.

كثيرون يشعرون حتى الإملاء، لكن القلة من يطوعون عواطفهم، فاللغة عندهم لا تصف الإحساس فقط، بل تعيد تشكيله وتهذبه، وتمنحه حدوداً يمكن العيش داخلها، غير أن الأهم من ذلك، هو التحول الذي يحدث في ميزان القوى، عندما تتحول السيادة إلى صاحب المشاعر فيصبح فاعلاً بعد أن كان مفعولاً به. في رواية «كندة عطر يبقى»، لا يعد التعبير ترفاً لغوياً، بل فعل نجاة، فما يقال ويكتب يمكن احتماله.. أما ما يبقى دون ذلك فيظل قوة طائشة، تعبث بصاحبها.

نقلا عن صحيفة الاتحاد

"
السعد المنهالي نُصاب بخيبة أمل عندما لا تسعفنا اللغة في التعبير عن مشاعرنا، نعيش في مفارقة مؤلمة، بسبب ذلك الإحساس الذي يبدو جلياً في صدورنا، فيما يصبح التعبير عنه مبهماً، أو غامضاً، هذا إن خرج! صدقوني هذا شعور خانق لمن عاشه، خصوصاً أولئك الذين يمرون بتجارب صادقة، تتحول فيها اللغة إلى هواء عصي لا تسعه
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة