الرئيسية/آراء/غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة
آراء

غزة بين الإعمار وإعادة رسم السلطة

فلسطينيون يتجمعون لتناول الإفطار قرب مبانٍ مدمرة في غزة
📸فلسطينيون يتجمعون لتناول الإفطار قرب مبانٍ مدمرة في غزة
اليوم ميديا

إبراهيم أبو عواد

تعيش غزة اليوم لحظة فاصلة بين الانقسام السياسي الداخلي والضغط الدولي والإقليمي لإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الحصار المتكرر والصراعات المسلحة. فالمدينة التي دُمِّرت بنيتها التحتية مرات عدة تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا: ضرورة إعادة بناء ما تهدّم، وإعادة رسم موازين السلطة على الأرض بما يتوافق مع الواقع السياسي الجديد.

الإعمار في غزة ليس مجرد إعادة للبيوت والمستشفيات والمدارس، بل هو مشروع سياسي في جوهره. فالمجتمع الدولي، من خلال التمويل والمساعدات، يسعى إلى إعادة استقرار المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يستخدم هذه المساعدات أداةَ ضغط لإحداث تغييرات سياسية، سواء على مستوى سياسات حركة حماس أو على مستوى السلطة الفلسطينية في رام الله. كما أن الموارد المحدودة والاحتياجات الهائلة تجعل من عملية الإعمار اختبارًا لقدرة الفصائل الفلسطينية على إدارة مواردها ومواجهة الضغوط الخارجية.

منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، صارت غزة تحت حكم حركة حماس، بينما تمارس السلطة الفلسطينية نفوذها في الضفة الغربية. واليوم يُطرح الإعمار كأداة لإعادة صياغة هذا الانقسام؛ إذ إن التمويل الخارجي والمتطلبات الفنية والإدارية لمشاريع الإعمار تفرض على حركة حماس التعامل مع السلطة الفلسطينية، وربما مع فصائل أخرى، في إطار من التفاوض على الصلاحيات والمشاريع. وهذا يعيد فتح النقاش حول إمكانية توحيد مؤسسات الدولة، أو على الأقل إعادة التوازن بين القوى على الأرض.

إعادة الإعمار لا تُدار بمعزل عن المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي؛ فهناك دول عديدة تلعب دورًا في تحديد من يستفيد من الموارد ومن يخسر النفوذ. وهكذا تتحول مشاريع البنى التحتية والقروض والمنح إلى رهان سياسي حول من يسيطر على القرار في غزة، ومن يملك القدرة على التأثير في مستقبل القطاع.

إن التحدي الأكبر أمام غزة هو الموازنة بين الحاجة الإنسانية الملحّة وبين المناورات السياسية التي قد تعيد رسم السلطة دون ضمان مصالح المواطنين. وبينما يمثّل الإعمار فرصة لتخفيف المعاناة، فإنه في الوقت نفسه يحمل خطر تحويل الموارد إلى أدوات سياسية بدلًا من أن تكون في خدمة الفقراء والمحتاجين والمتضررين.

غزة اليوم بين المطرقة والسندان: الإعمار كضرورة إنسانية عاجلة، وإعادة رسم السلطة في المدى القريب. والنجاح في مواجهة هذا التحدي يحتاج إلى رؤية وطنية جامعة، ومقاومة الاستقطاب السياسي الداخلي والخارجي، مع الحرص على أن يكون المواطن الفلسطيني في قلب أي قرار؛ فالإعمار الحقيقي لا يكتمل إلا إذا جاء مصحوبًا بإعادة بناء الثقة بين السلطة والفصائل، وبين المسؤولين والمواطنين، لا كأداة لإعادة توزيع النفوذ واقتسام الغنائم.

"
إبراهيم أبو عواد تعيش غزة اليوم لحظة فاصلة بين الانقسام السياسي الداخلي والضغط الدولي والإقليمي لإعادة الإعمار بعد سنوات طويلة من الحصار المتكرر والصراعات المسلحة. فالمدينة التي دُمِّرت بنيتها التحتية مرات عدة تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا: ضرورة إعادة بناء ما تهدّم، وإعادة رسم موازين السلطة على الأرض بما يتوافق مع الواقع السياسي الجديد. الإعمار في
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة