الرئيسية/آراء/الشك المنهجي بين أبو حامد الغزالي ورينيه ديكارت
آراء

الشك المنهجي بين أبو حامد الغزالي ورينيه ديكارت

حوار عبر الزمن بين أبو حامد الغزالي ورينيه ديكارت: طريقان مختلفان نحو اليقين
📸حوار عبر الزمن بين أبو حامد الغزالي ورينيه ديكارت: طريقان مختلفان نحو اليقين
اليوم ميديا

إبراهيم أبو عواد

الشكّ المنهجي هو وسيلة مؤقتة لفحص مصادر المعرفة ومبادئها، واستبعاد كل ما لا يقوم على أساس يقيني، تمهيدًا لإقامة معرفة صحيحة ثابتة.

في هذا المجال يلتقي الغزالي وديكارت، على اختلاف السياق الحضاري والمرجعية الدينية واللغة الفلسفية. فكلاهما جعل من الشك طريقًا لا غاية، ومن الهدم المؤقت سبيلًا إلى بناء الحقيقة. غير أن التشابه لا يلغي التمايز، ولا يعني الاتفاق في المنهج وحدة النتائج أو المنطلقات. والمقارنة بين الشك المنهجي عندهما تفتح نافذة واسعة لفهم طبيعة العقل، وحدود المعرفة، وعلاقة الإنسان بالحقيقة.

نشأ شكّ الغزالي في سياق أزمات روحية ومعرفية عميقة؛ فقد وجد نفسه محاطًا بتعدد الفرق والمذاهب: المتكلمون، والفلاسفة، والباطنية، والصوفية، وكل فريق يدّعي امتلاك الحقيقة. هذا التنازع دفعه إلى مساءلة أدوات المعرفة ذاتها: هل الحس صادق؟ وهل العقل يقيني؟ وهل يمكن الوثوق بما ورثه الإنسان من تقاليد؟ لم يكن شكّه ترفًا ذهنيًا، بل صرخة باحث عن يقين يطمئن إليه القلب قبل العقل.

أما ديكارت، فقد جاء شكّه في سياق أزمة معرفية أوروبية مع بداية العصر الحديث، حيث اهتزت سلطة المعرفة المدرسية، وبرزت الحاجة إلى تأسيس العلم على قواعد جديدة لا تقبل الشك، فأعلن البدء من الصفر، ورفض كل ما يمكن الشك فيه.

يشترك الاثنان في نقد المعرفة الحسية؛ فالحواس قد تخدع: الظل يبدو ساكنًا وهو متحرك، والكوكب يبدو صغيرًا وهو أعظم من الأرض. ومن هنا لا يصلح الحس أساسًا لليقين المطلق. غير أن الغزالي لم يقف عند هذا الحد، بل اتجه إلى العقل ذاته متسائلًا: إذا كان العقل قد حكم بخطأ الحس، فما الذي يمنع أن يكون وراء العقل ميزانٌ أعلى يكشف حدوده؟

ديكارت بدوره جعل من خداع الحواس نقطة انطلاق لشكّه، ثم وسّع دائرة الشك لتشمل حتى العمليات العقلية نفسها، ليصل إلى أقصى درجات الشك المنهجي، حيث لا يترك شيئًا من المعرفة الموروثة دون اختبار.

على الرغم من جذرية الشك عندهما، فإن الغاية لم تكن الهدم الدائم، بل الوصول إلى يقين لا يتزعزع. غير أن طريق الخروج من الشك اختلف اختلافًا جوهريًا.

فالغزالي انتهى إلى أن اليقين لا يُنال بالعقل المجرد وحده، بل بنور يقذفه الله في القلب. وهذا لا يعني إلغاء العقل، بل وضعه في حدوده الطبيعية، والاعتراف بأن أسمى الحقائق تحتاج إلى تجربة روحية وتزكية باطنية. ومن هنا كانت التجربة الصوفية عنده ذروة طريق اليقين، لا نقيضًا للعقل بل مكمّلة له.

أما ديكارت فوجد نقطة اليقين الأولى في عبارته الشهيرة: «أنا أفكر، إذًا أنا موجود». فحتى لو شكّ في كل شيء، لا يستطيع أن يشك في أنه يشك، ولا في أنه يفكر. وهكذا بنى نسقه المعرفي انطلاقًا من بداهة عقلية، ثم أقام عليها بناء المعرفة، وجعل الإيمان بالله ضامنًا لصدق العقل وعدم وقوعه في الخداع الدائم.

يمثّل الشك المنهجي عند الغزالي رؤية تكاملية للعقل والإيمان؛ فالعقل أداة ضرورية لكنه ليس المصدر النهائي للحقيقة. أما عند ديكارت، فيمثل لحظة مفصلية في تاريخ الفلسفة الغربية، حيث أصبح العقل نقطة الارتكاز الأساسية في تأسيس المعرفة.

يلتقي الاثنان في اعتبار الشك منهجًا لا غاية، وفي نقد التسليم للموروث دون تمحيص، وفي البحث عن يقين أولي تُبنى عليه المعرفة. ويفترقان في مصدر هذا اليقين: فهو نور إلهي وتجربة روحية عند الغزالي، مقابل بداهة عقلية مؤسسة عند ديكارت. كما يختلف مشروعهما؛ فهو إصلاحي روحي عند الأول، وتأسيسي فلسفي علمي عند الثاني.

إن الشك المنهجي عندهما ليس مجرد تمرين ذهني، بل فعل فكري في مواجهة الزيف واليقين السهل. الحقيقة لا تُورث، بل تُنال بالكفاح العقلي والصدق الداخلي. غير أن الغزالي يرى أن العقل، مهما بلغ، يظل محتاجًا إلى نورٍ أعلى، بينما يصرّ ديكارت على أن في العقل ذاته بذرة الخلاص المعرفي.

"
إبراهيم أبو عواد الشكّ المنهجي هو وسيلة مؤقتة لفحص مصادر المعرفة ومبادئها، واستبعاد كل ما لا يقوم على أساس يقيني، تمهيدًا لإقامة معرفة صحيحة ثابتة. في هذا المجال يلتقي الغزالي وديكارت، على اختلاف السياق الحضاري والمرجعية الدينية واللغة الفلسفية. فكلاهما جعل من الشك طريقًا لا غاية، ومن الهدم المؤقت سبيلًا إلى بناء الحقيقة. غير أن
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة