الرئيسية/آراء/موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى… ثم حزن!
آراء

موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى… ثم حزن!

سامراء… ذاكرةٌ مثقلة بين التاريخ والجرح سامراء ومرقد الإمامين العسكريين
📸سامراء… ذاكرةٌ مثقلة بين التاريخ والجرح سامراء ومرقد الإمامين العسكريين
اليوم ميديا

مشاري الذايدي

كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ هناك مواضع من الأرض تملك طاقةً تاريخية لا تفنى، مهما تبدّلت العصور، لأسبابٍ يشقُّ شرحُها هنا.

منها بلدة أو مدينة (سامرّاء) العراقية، وسبب توقفّنا اليوم في سلسلة «موضعٌ وموضوع» هو أنّه في مثل هذا اليوم، 22 فبراير (شباط) من عام 2006 وقعت الواقعة في المدينة ذات العبَق العبّاسي، حين فجّر بعض الأشقياء مقام العسكريين، الحسن العسكري وابنه الغائب، وهما آخر السلسلة الاثني عشرية عند الطائفة الإمامية، لتحدث بعدها فتنة طائفية شعواء، معنا آثارها لليوم.

لن نخوض فيمن وقف خلف هذا التفجير – وليس من نفّذ فقط – مع مفارقة أن سكان سامرّاء عبر الدهور هم من أهل السنّة، وهذه مفارقة، حيث ظل هذا المزار الشيعي الشهير تحت حماية سكان المدينة المعروفين بانتمائهم للسنّة، فما عَدا ممّا بَدا!

بكلّ حال، فإنّ «سُرَّ مْن رأَى» بناها الخليفة العبّاسي الثامن، المعتصم، عام 221 هجرية – 835 ميلادية، واتخذها عاصمة له ولجنده الأتراك، بعد تضايق أهل بغداد منهم، تلك السياسة «التتريكية» التي جنَت على الدولة العبّاسية لاحقاً، وغيَّرت وجه الشرق الإسلامي.

سامرّاء تقع بالجهة الشرقية لدجلة على بعد نحو 125 كيلومتراً إلى الشمال من بغداد. وفيها أسر وعشائر كثيرة، وخرج منها علماءٌ وأعلامٌ كُثُر، لن تؤثر في بياض تاريخهم لطخة إبراهيم عوّاد البدري، أو أبو بكر البغدادي!

جاء في كتاب «آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع» للقومي الشهير في مطالع القرن العشرين، وأحد رجالات العراق، ساطع الحُصَري، قوله: «بعد أن كان النَّاس يُسمُّونها اسم (سُرَّ من رأى) أضحوا يُسمُّونها باسم (ساءَ مْن رأى)، وبعد أن كان الشعراء يتسابقون في مدح قصورها أخذوا يسترسلون في رثاء أطلالها».

قال ابن الجهم في وصف أحد قصورها:

بدائعُ لم تَرَها فارسٌ ولا الرومُ في طولِ أعمارِها

صحونٌ تُسافر فيها العيونُ إذا ما تجلَّت لأبصارِهاصار يرثيها ابن المعتز بقوله:

قد أقفرَتْ سُرَّ مْن رأى وما لشيءٍ دوامُ ماتت كما مات فيلٌ تُسَلُّ منه العِظامُ

تلك المدينة هي «المشروع» المعتصمي الهائل، الذي استقدم له الخليفة مئات المهندسين والعباقرة من أنحاء الدنيا، ومن ذلك مصر وأنطاكيا. يقولون إن اسمها أقدم من حصره بالمعنى العربي «سُرَّ مْن رأى» فهل تسمية ذات أصلٍ: «آرامي، يشبه أسماء مدن أخرى ككربلاء وباعقوبا»، كما قال الحُصَري، ويقُال ذات أصل إغريقي «سوما» وقيل غير ذلك.

من آثار فجر العصر التركي العبّاسي سورٌ في المدينة باسم «سور أشناس» نسبة للقائد التركي أشناس، وهو محلٌّ معروف إلى اليوم – في زمن الحُصَري – وهو يوافق تمام الموافقة موضع قطيعة أشناس التي يذكُرها اليعقوبي المؤرخ المعروف.

العراقُ – عافاه الله وصانه – هو مسرح الحياة الإنسانية الحضارية العتيق، وما زال ينطوي في دواخله على الأسرار، رغم كُلّ ما باحت به خزائن التاريخ العراقي.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
مشاري الذايدي كما ذكرنا آنفاً، فإنَّ هناك مواضع من الأرض تملك طاقةً تاريخية لا تفنى، مهما تبدّلت العصور، لأسبابٍ يشقُّ شرحُها هنا. منها بلدة أو مدينة (سامرّاء) العراقية، وسبب توقفّنا اليوم في سلسلة «موضعٌ وموضوع» هو أنّه في مثل هذا اليوم، 22 فبراير (شباط) من عام 2006 وقعت الواقعة في المدينة ذات العبَق العبّاسي، حين
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة