الرئيسية/آراء/جدلية الحزم والجرأة: قراءة البعد الإنساني والسياسي من الملك فيصل إلى محمد بن سلمان
آراء

جدلية الحزم والجرأة: قراءة البعد الإنساني والسياسي من الملك فيصل إلى محمد بن سلمان

لقاء بين جيلين من القيادة السعودية
📸لقاء بين جيلين من القيادة السعودية
اليوم ميديا

د. الهادي عبدالله ابوضفائر

لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً مجرد كيان يمارس السياسة ضمن محيطه العربي، بل كانت، في لحظات التحولات الكبرى، محوراً يُعاد عنده رسم موازين القوى، وتُختبر فيه قدرة السياسة على أن تتحول إلى أخلاقٍ متجلية في القرار. ففي تاريخها الحديث، لم يُفصل الفعل السياسي عن البعد الإنساني، بل اندمجا في معادلة دقيقة يصبح فيها الموقف فعلَ إنقاذ، والحزمُ رؤيةً متجسدة، والقيادةُ مسؤوليةً تتخطى حدود الجغرافيا لتصوغ للعالم درساً في الجمع بين القوة والرحمة، وبين المبادرة والحكمة.

حين وقف الملك فيصل بن عبدالعزيز في أعقاب نكسة 1967، لم يكن يتحدث باسم دولة فقط، بل باسم كرامة عربية جريحة تبحث عن يقين. وجاءت قمة الخرطوم بما عُرف تاريخياً بـ«لاءات الخرطوم الثلاثة» لتعلن أن الانكسار ليس قدراً، وأن السياسة يمكن أن تكون سياجاً للهوية لا غطاءً للهزيمة. لم تكن تلك اللاءات مجرد موقف تفاوضي، بل إعادة صياغة لروح أمة كادت أن تتبدد. في تلك اللحظة انتقلت السعودية من موقع المساند إلى موقع الضامن المعنوي والعملي، ومن دور الداعم إلى مركز الثقل الذي تُبنى حوله معادلات الصمود.

ولم يبق أثر ذلك النهج أسير الخطاب، بل ترجمته الوقائع في مساحات أنهكتها الصراعات، من لبنان إلى العراق وسوريا، حيث لم يكن الحضور السعودي استجابة عابرة لطارئ سياسي، بل تعبيراً عن رؤية تستبق السقوط الكامل للكيانات وتصون ما تبقى من نسيجها الاجتماعي. كان فيصل يدرك أن انهيار الدولة لا يخلّف فراغاً في السلطة فحسب، بل يفتح جرحاً حضارياً يمتد أثره في الوعي والتاريخ، ويصعب تضميده عبر أجيال.

وفي الزمن الراهن يبرز محمد بن سلمان بوصفه امتداداً مختلف الإيقاع، لكنه متصل الجوهر. فالعالم لم يعد ثنائي القطبية، والمنطقة لم تعد تحتمل رفاهية الانتظار، والسياسة لم تعد تحتمل البطء. من هنا جاءت مقاربته أكثر ديناميكية، تعيد تعريف أدوات التأثير وتنتقل من رد الفعل إلى صناعة الفعل. ففي ملفات سوريا والسودان واليمن والصومال لم يكن الحراك السعودي مجرد وساطات، بل محاولة لإعادة هندسة معادلة الاهتمام الدولي وفتح نوافذ للحل وسط انسداد الأفق.

وفي الحالة السودانية لم يكن الدور السعودي حضوراً عابراً، بل فعلاً سياسياً مقصوداً سعى إلى جمع الأطراف وتقريب المسافات، وإعادة تعريف الأزمة خارج القوالب الاختزالية التي شوّهت فهمها دولياً. لقد انصرف الجهد إلى تصحيح زاوية النظر قبل تثبيت المواقف، لأن الخلل في الإدراك يسبق الخلل في القرار. وفي هذا السياق جاء الحوار مع الإدارة الأمريكية، حيث أقرّ دونالد ترامب بعدم إلمامه الكامل بتفاصيل القضية، في إشارة إلى فجوةٍ كان لا بد من ردمها. لم يكن الهدف تسجيل موقف سياسي بقدر ما كان إعادة ضبط بوصلة الوعي الدولي ليتناغم مع تعقيدات الواقع ونبض المنطقة.

ليست المقارنة بين فيصل ومحمد بن سلمان مقارنة أشخاص، بل مقارنة مرحلتين من تاريخ الدولة: طورٌ انشغل بترسيخ الثوابت وصون الهوية، وطورٌ يندفع إلى تسريع التحول وصناعة المبادرة. جسّد فيصل حزماً أعاد للأمة اتزانها، وثبّت للموقف السياسي هيبته في زمن الاضطراب، بينما يقود محمد بن سلمان إعادة تموضع كبرى تنقل السعودية من موقع التأثر إلى مركز التأثير، ومن دائرة الاستجابة إلى فضاء صياغة التوازنات.

وهكذا لا تبدو السعودية في هذين الطورين دولةً تمارس السياسة فحسب، بل كياناً يختبر قدرته على تحويل الثقل إلى تكليف، والقوة إلى رافعة توازن، والقرار إلى معبر خلاص. بين رصانة التاريخ واندفاعة الغد تتشكل حكاية وطنٍ أبى أن يكتفي بدور الشاهد على أزمات أمته، واختار أن يكون شريكاً في صياغة مخارجها وصانعاً لمساراتها.

في عالمٍ تتسارع فيه الانهيارات وتتلاشى الحدود بين التهديد والإمكان، لا يعود السؤال: ماذا تصنع الدول بقوتها؟ بل ماذا تصنع القوةُ بالدول؟ والسعودية، في امتدادها التاريخي، تبدو كمن وعى أن القوة إن لم تُسخَّر لصون الإنسان وترسيخ الاستقرار غدت عبئاً أخلاقياً يثقل كاهل أصحابها. أما إذا أُحسن توجيهها ببصيرة نافذة، فإنها لا تنتج نفوذاً فحسب، بل تفتح أفقاً تصبح فيه السياسة رعايةً للحياة، ويغدو الحزم حكمةً مؤجلة، وتتحول الجرأة إلى بيانٍ جديدٍ للخلاص في زمنٍ يقلّ فيه صُنّاع الخلاص.

  • تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
"
د. الهادي عبدالله ابوضفائر لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً مجرد كيان يمارس السياسة ضمن محيطه العربي، بل كانت، في لحظات التحولات الكبرى، محوراً يُعاد عنده رسم موازين القوى، وتُختبر فيه قدرة السياسة على أن تتحول إلى أخلاقٍ متجلية في القرار. ففي تاريخها الحديث، لم يُفصل الفعل السياسي عن البعد الإنساني، بل اندمجا في معادلة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة