الرئيسية/آراء/ماذا تريد إيران وهل تغيّر الحرب السياسات؟
آراء

ماذا تريد إيران وهل تغيّر الحرب السياسات؟

سقوط طائرة عسكرية خلال تصدي الدفاعات الجوية للهجمات
📸سقوط طائرة عسكرية خلال تصدي الدفاعات الجوية للهجمات
اليوم ميديا

رضوان السيد

يفكر الإيرانيون بالنووي منذ أيام الشاه. ويومها كانوا أشدّ أنصار الولايات المتحدة حماسة، لكن الاعتبارات القومية والإسلامية حالت دون أن يخطوا خطوة الأتراك الحاسمة باتجاه الانضمام إلى «الأطلسي» في الحرب الباردة. الأتراك تولوا مهامّ في مواجهة الاتحاد السوفياتي، والأميركيون والبريطانيون حاولوا إعطاء إيران دوراً زعامياً في «حلف السنتو (CENTO)» الذي انهار بالتغيير في العراق عام 1958. هل كان النووي دليل قوة وانضمامٍ إلى القوى الكبرى، أم كان حماية من المطامح والعدوان وسط صراعات القوى الكبرى؟ في كل الأحوال الدولتان القوميتان الكبيرتان (تركيا وإيران) ما كانتا تشعران بالراحة داخل المعسكر الغربي، ولأسباب داخلية تتعلق بمسائل الأقليات، وطموحات مثال الحريات ومخاضاتها، ولمجاورتهما للسوفيات ومساعيهم لنفوذٍ في داخلهما، كما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين. وينبغي ألا ننسى أن ثورة عام 1979 بإيران، التي غيَّرت وجه البلاد والمنطقة، تلاها في عام 1980 انقلاب عسكري صارم بتركيا، هو الثاني أو الثالث في النصف الثاني من القرن العشرين. أتت الانقلابات في تركيا للحفاظ على البقاء في التحالف الغربي ضد الرغبات الشعبية، وقامت ثورة عام 1979 بإيران للتحرر من الاحتضان الغربي!

في إيران وفي تركيا إذن هموم التكون القومي المكتمل، والموقع والدور في المنطقة والعالم. تركيا يحميها «الأطلسي» على كُره، وإيران تطمح لحماية ذاتية بالنووي كانت تسعى إليها في السبعينات ولا تزال تبحث عنها إلى اليوم، تحت عنوان النووي السلمي!

من القوى الإسلامية ما حصلت دولة على النووي غير باكستان. لكنّ باكستان عندها عداوة مع الهند، الجارة الجبارة، والأميركيون هم الأشد ندماً على السماح لباكستان بذلك؛ فهل كانت إيران في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تواجه أخطار الغزو؟ لديها حجة الحرب مع العراق التي انتهت بسقوط النظام العراقي ووقوع البلاد تحت النفوذ الإيراني؛ فلماذا ظلّت الحاجة للنووي قائمة؟ لأنّ إيران الجمهورية الإسلامية غير إيران الشاهنشاهية. إيران الإسلامية دولة قومية وزيادة كبيرة جداً. طوال الثمانينات والتسعينات (بل وما بعد) ما كنا، ونحن نتأمل تغلغل إيران في البلاد العربية، نأخذ على محمل الجدّ دعواتها وميليشياتها لإزالة إسرائيل. ونعتبر أنها دعايات للحطّ على العرب وعلى السنّة الذين لم يرعوا (بحسب معسكر إيران) القضية حق رعايتها!

إنّ الذي يتأمل المشهد الهائل للحروب الإسرائيلية والأميركية على إيران اليوم وبالأمس وأول من أمس، يدرك أن إسرائيل وأميركا ونصف العالم الغربي يعتقدون أن إيران الإسلامية التي حكمها الملالي هي عدوٌّ أصيل لإسرائيل: هل كانت كذلك منذ البداية أم تطور الأمر على هذا النحو بسبب تفاقم الخصومة مع الولايات المتحدة وحلفائها؟ لقد وصل الأمر إلى ألا تسلّم دولة ولاية الفقيه بوجود إسرائيل، وألا تسلّم إسرائيل بنظام الجمهورية الإسلامية ومطامحها.

ولماذا ما استطاعت إيران الإسلامية تكوين تحالفات وثيقة؟

ما استطاعت الجمهورية الإسلامية ذلك مع أنه كان أمراً متاحاً. هناك حديث كثير عن براغماتية صنّاع السجاد وتخطيطهم للمديات الطويلة، لكنه غير دقيق. فشعار «لا شرقية ولا غربية» تحكّم بالجمهورية طويلاً. ورغم العداء الشرس مع الولايات المتحدة ما توثقت علاقات إيران بروسيا والصين إلا في السنوات الأخيرة. وبعد انقضاء الحرب مع العراق كان يمكن أن تقوم علاقات ممتازة مع العرب، خصوصاً أن الأهداف الاستراتيجية واحدة أو متقاربة. لكنّ سياسات الجمهورية ظلّت دائماً العمل على إحداث انشقاقات داخل المجتمعات والدول، وتكوين «محور المقاومة»، وزعم الاستيلاء على أربع عواصم عربية. تقول للعرب إنها تريد تحرير فلسطين لكن بطريقة الميليشيات في كل دولة، ومجاملات من دون شراكات. ولكي يبدو واضحاً أن إيران ما تعلمت من تجاربها وحروبها، نجدها تعامل دول الخليج في هذه الحرب كما تعامل إسرائيل! لقد أطالت أميركا للإيرانيين الحبل فازداد إيمانهم بصوابية سياساتهم تجاه الجوار وتجاه العالم. فلما قررت أميركا قطع الحبل وجدوا أنفسهم في المكان الذي كانوا فيه عام 1988، تاريخ نهاية الحرب مع العراق.

أفادت إيران الإسلامية من قضيتين كبيرتين: قضية المستضعفين، وقضية فلسطين، لكنها في الحالتين تابعت العمل بمعزلٍ عن أصحاب القضيتين. فما برز كفاحها في الأولى، ووقعت ضحية سوء التقدير في القضية الثانية. قد ينجو النظام هذه المرة أيضاً، لكنه إن لم يتخلَّ عن الانحشار دائماً بين الموقع والدور وجمرات المهدويات، فسوف يظلُّ معرَّضاً للحروب التي لا تأتي من أميركا وإسرائيل فقط.

نعاني نحن العرب من الافتقار إلى السكينة في الدين، لكن الإيرانيين أكثر معاناة منا. وما يحتاجون إليه أكثر منا أيضاً الإصغاء أخيراً لأدبيات وأعراف الدولة الوطنية، ومن قبل ومن بعد: العلاقات الطبيعية مع الجوار والعالم.

نقلا عن الشرق الأوسط

"
رضوان السيد يفكر الإيرانيون بالنووي منذ أيام الشاه. ويومها كانوا أشدّ أنصار الولايات المتحدة حماسة، لكن الاعتبارات القومية والإسلامية حالت دون أن يخطوا خطوة الأتراك الحاسمة باتجاه الانضمام إلى «الأطلسي» في الحرب الباردة. الأتراك تولوا مهامّ في مواجهة الاتحاد السوفياتي، والأميركيون والبريطانيون حاولوا إعطاء إيران دوراً زعامياً في «حلف السنتو (CENTO)» الذي انهار بالتغيير في
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة