
محمد السيد صالح
نتعاطف مع إيران في محنتها الحالية، وهي تتعرض للضربات الأمريكية الإسرائيلية. الغالبية، وأنا من بينهم، نتمنى الخسارة للولايات المتحدة والتعثر لإسرائيل. دولتان معتديتان بقيادات متطرفة، تتحركان وفق أجندات دينية واضحة ومكشوفة، ويتباهيان بذلك. مع كل ذلك، لا يصح أن يشمت أحد منا بأي صورة من الصور في دول الخليج والوضع الذي تعيشه حاليًا. لا مبرر أخلاقي أو سياسي للتماهٍ مع الضربات الصاروخية أو بالطائرات المسيرة ضد دول الخليج. في زمن الحرب، لا ينبغي أن نتفاعل مع نصف الحقيقة ونردد عبارات إيرانية من عينة أنهم يستهدفون فقط القواعد الأمريكية في هذه الدول، لأن من هناك تخرج الهجمات العسكرية ضد العمق الإيراني. لنركز أولًا على صيانة مصالحنا الاستراتيجية في الخليج. نتفاعل ونتضامن مع الدول التي لم تتوقف عن دعمنا أبدًا. نفكر في أوضاع الملايين من أبنائنا الذين يعملون هناك. الكلام في هذه النقطة طويل وغني بالنماذج والحكايات الإيجابية.
وينبغي أن نتوقف عند الأخطاء المنهجية التي ارتكبها النظام الحاكم في إيران منذ قيام ثورة الخميني ونجاحها في إنهاء حكم الشاه عام 1979. لم يكن الشاه جارًا مثاليًا لدول الخليج، لكنه كان حليفًا قويًا للولايات المتحدة، قريبًا جدًا من إسرائيل، ومؤمنًا بكل خططها التوسعية في الدول العربية، لكنه لم يكن جارًا مؤذيًا يسعى للسيطرة على أرض عربية إلا في نموذجين فقط، نزاعه مع الإمارات على الجزر الثلاث في الخليج العربي، ومع العراق على «شط العرب»، أي النهر الناتج عن التقاء دجلة والفرات، والمؤدي للخليج. الجمهورية الإسلامية، ومع تطبيق أفكار الإمام الخميني ودعوته لتصدير الثورة، سعت لخلق كيانات شيعية متعصبة وميليشيات مسلحة في دول عربية عديدة. إيران هي التي غيرت المعادلة وأخافت دول الخليج، واضطرت إلى اللجوء إلى الغرب، خاصة الولايات المتحدة، طلبًا للحماية. قادة طهران منذ قيام ثورتهم وحتى الآن، يؤمنون أن الثورة ليست مجرد عملية تغيير محلي، وإنما نموذج يجب أن يمتد إلى العالم الإسلامي، ولصالح الشعوب المستضعفة، كما كان يسميها الخميني. هذه الأفكار أصبحت جزءًا من الدستور الإيراني. والعجيب أن «هذه النصرة للمستضعفين» كانت شبه مقصورة على دول الخليج! عملت إيران على إثارة الفتن هناك، ودعمت جماعات مسلحة، وكثفت عمليات التجسس والتهريب، واستهدفت منشآت نفطية في عدة دول خليجية، وهرّبت السلاح لجماعات بعينها، وصولًا إلى المشهد الحالي بدعم جماعة الحوثيين وما يمثله من تهديد قوي للسعودية وللخليج عمومًا. الأخطر في هذا المشهد أن غالبية هذه القلاقل والعمليات الإيرانية تواكبت مع وجود صدام حسين في العراق وتهديداته المتكررة للخليج، والتي وصلت ذروتها باحتلال الكويت عام 1990.
هناك محطات رئيسية لبناء القواعد العسكرية الأجنبية في منطقة الخليج. أولها كانت مع الانسحاب البريطاني من المنطقة بداية السبعينيات من القرن الماضي، وزاد انتشارها لتشمل جميع الدول هناك مع تكثيف العمليات الإيرانية وغزو صدام للكويت.
لنستوعب المعادلة السياسية والأمنية كما يفهمها أصحابها، قادة وشعوبًا. لا نزايد عليهم ونحن، في الوقت الحالي، خارج منطقة الخطر. صحيح أن الولايات المتحدة استفادت ماليًا وعسكريًا، ولم يستفد الخليج كما ينبغي، وفي بعض الأوقات، مثلما هو حادث حاليًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن العلاقة أقرب إلى ابتزاز دول الخليج، لكن يجب دراسة الخلفيات والدوافع لهذا الوضع. يجب ألا ننسى أن النظام الإيراني وممارساته في مقدمة الأسباب لوجود هذه القواعد الأمريكية، التي تقصف عمق طهران الآن بكل سهولة.
نتعاطف مع إيران ونتمنى هزيمة الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل أو بآخر، لكن ينبغي ألا نشمت في الخليج، وألا نكرر الدعايات الصادرة من كل جانب دون مراجعة أو تدقيق.
نقلا عن المصري اليوم


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *