الرئيسية/آراء/محادثات أمريكا وإيران بين الاتفاق والانفجار
آراء

محادثات أمريكا وإيران بين الاتفاق والانفجار

ترامب وعلم إيران في صورة توضيحية تعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران
📸ترامب وعلم إيران في صورة توضيحية تعكس تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران
اليوم ميديا

د. محمد فؤاد المناعي

في أعماق السياسة الدولية، حيث تتشابك الأبعاد النووية والإقليمية والاقتصادية، تجري محادثات أمريكية-إيرانية تبدو أشبه برقصة على حافة الهاوية. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة عن مفاوضات جارية مع إيران أثارت موجة من التساؤلات حول مصير الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي يعلن فيه ترامب عن تقدم ملموس وتأجيل ضربات على منشآت الطاقة الإيرانية، ينفي الجانب الإيراني أي وجود لمفاوضات حقيقية، ليبقى المشهد محاطًا بهالة من الغموض والتوتر.

هذه الحالة من عدم اليقين ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل من انعدام الثقة بين الطرفين. منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 2018، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة متوترة، حيث كل خطوة دبلوماسية تصطدم بعقبات سياسية داخلية وخارجية. فكل طرف يخشى أن يكون تنازله على طاولة المفاوضات مجرد هدية للآخر بلا ضمانات ملموسة. وما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا هو أن أي اتفاق محتمل يبدو هشًا، قابلاً للانهيار في أي لحظة، خصوصًا عندما تتشابك فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، من دول الخليج إلى إسرائيل، التي تراقب كل كلمة وتصرف بحذر بالغ.

ترامب، في تصريحات ليلة أمس، لم يخفِ رغبته في التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن المحادثات كانت “مثمرة جدًا” وأن تأجيل الضربات العسكرية جاء حرصًا على استمرار الحوار. هذه التصريحات وحدها كانت كافية لتحريك الأسواق العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة، انعكاسًا لحالة عدم اليقين التي تسود الشرق الأوسط. وفي المقابل، يصر الإيرانيون على نفي أي تفاهمات، ما يعكس استراتيجية واضحة للحفاظ على أوراق قوتهم، وعلى قدرة طهران على المناورة في مواجهة أي ضغوط.

الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، جراء العقوبات الأمريكية والضربات المستمرة التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل على منشآتها الحيوية، قد تشكل حافزًا لتقديم مرونة محدودة في المفاوضات، لكنها في الوقت نفسه لا تكفي لتذويب الحذر التاريخي الراسخ تجاه واشنطن. هذا التوتر بين الحاجة إلى التهدئة والخوف من الخسارة يعكس لعبة توازن دقيقة، حيث يحاول كل طرف الاستفادة من نقاط ضعف الآخر دون أن يفقد السيطرة على مجريات الأحداث.

إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي؛ فدول الخليج وإسرائيل تتابع هذه المحادثات بقلق بالغ، خشية أن يؤدي أي اتفاق إلى تعزيز النفوذ الإيراني على حساب الاستقرار الإقليمي. وهنا يظهر حجم التعقيد: أي خطوة نحو حل دبلوماسي في واشنطن قد تتوازى مع مخاوف استراتيجية في الرياض وأبوظبي وتل أبيب، ما يجعل من كل تقدم في طهران معركة دقيقة بين التوازنات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

المشهد الاقتصادي لا يقل تعقيدًا. تصريحات ترامب عن المحادثات وحدها أثارت تذبذبًا في الأسواق، حيث توقع البعض أن يسهم التوصل إلى اتفاق في استقرار أسعار النفط، بينما كان إنكار إيران للمفاوضات سببًا في صعودها مجددًا، مما يعكس هشاشة الاعتماد على التوترات السياسية كأداة اقتصادية. هذا التذبذب يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الأزمات السياسية، ويضع دولًا وشركات في حالة ترقب دائم، فهي تنتظر أن تتحرك الدبلوماسية لتحديد اتجاه الأسواق.

وبينما يبدو أن الطرفين يتنقلان بين التصعيد والتفاوض، يظل السؤال الأكبر عن مدى قدرة الدبلوماسية على تحقيق توازن حقيقي. هل تستطيع الإدارة الأمريكية وطهران تقديم تنازلات متبادلة تكفي لبناء اتفاق مستدام، أم أن المسار سيستمر في الترنح بين الأزمة الاقتصادية والخطر العسكري؟ فشل المفاوضات لن يقتصر أثره على واشنطن وطهران، بل سيمتد ليشمل استقرار المنطقة بأكملها، ويزيد من احتمالات تصعيد عسكري مباشر أو عبر وكلاء، مع ما يعنيه ذلك من تهديد للأمن الدولي.

في النهاية، تبدو المحادثات الأمريكية-الإيرانية اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسة والدبلوماسية على التعامل مع ملفات معقدة، حيث تتقاطع المصالح، وتتباين الأهداف، وتتصادم التطلعات مع المخاوف. ترامب يسعى لتحقيق اختراق، بينما إيران توازن بين مرونة محدودة وحفظ أوراق قوتها، والقوى الإقليمية تراقب كل حركة. في هذا السياق، تصبح هذه المحادثات أكثر من مجرد جولات تفاوضية؛ إنها دراما سياسية حقيقية تضع الشرق الأوسط على مفترق طرق بين الاتفاق والانفجار.

"
د. محمد فؤاد المناعي في أعماق السياسة الدولية، حيث تتشابك الأبعاد النووية والإقليمية والاقتصادية، تجري محادثات أمريكية-إيرانية تبدو أشبه برقصة على حافة الهاوية. تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة عن مفاوضات جارية مع إيران أثارت موجة من التساؤلات حول مصير الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي يعلن فيه ترامب عن تقدم ملموس وتأجيل ضربات على منشآت
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة