الرئيسية/آراء/مضيق هرمز.. مثلث برمودا للطاقة العالمية
آراء

مضيق هرمز.. مثلث برمودا للطاقة العالمية

مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية
📸مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية
اليوم ميديا

د. زياد فارس الحارثي

قبل خمسة عشر عامًا، نشر يرجين كتابه “السعي: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، محذرًا من أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي. اليوم، تبدو تحذيراته أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة لم تنتج حربًا تقليدية، لكنها أثرت بالفعل على إمدادات النفط وحياة الملايين حول العالم.

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بين إيران وسلطنة عمان، بل هو شريان حيوي للاقتصاد العالمي. وصفه يرجين بأنه “أهم ممر لإمدادات النفط”، محذرًا من قدرة إيران على إغلاقه بسهولة. هذا التحذير لم يكن مجرد كلام نظري؛ فقد أكد أحد القادة الإيرانيين: “يعلم الأعداء أننا قادرون بسهولة على إغلاق المضيق لفترة غير محدودة”. حتى قبل ظهور الطائرات المسيرة، كان الحرس الثوري يمتلك القوة الصاروخية اللازمة لتغيير خريطة الخليج في لحظات.

اليوم، هذه المخاطر بدأت تؤثر على الواقع الاقتصادي والاجتماعي. دول آسيا، التي تستورد نحو 80% من نفطها عبر المضيق، بدأت تشعر بالصدمة. في بنغلاديش، تشير التقارير إلى احتمال نفاد مخزون النفط والغاز في غضون أسابيع قليلة، بينما اضطرت بعض المعابد في تايلاند لإيقاف طقوسها التقليدية بسبب نقص الوقود. الإمارات نفسها ليست بمنأى عن الخطر؛ فقياسًا بزمن تحليق صاروخ باليستي، لا تبعد سوى 46 ثانية عن إيران.

نتيجة ذلك أن الحكومات اضطرت لفرض قيود على التنقل، تقليص ساعات العمل، ومراقبة استهلاك الطاقة بدقة. الأسعار ترتفع، والمواد الغذائية تصبح أكثر ندرة، بينما تتغير ملامح الحياة اليومية للمواطنين بشكل ملموس. كل هذا يؤكد هشاشة الاعتماد العالمي على مسار واحد لنقل الطاقة، ويظهر كيف أن أي توتر جيوسياسي في المنطقة ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي وعلى حياة الناس العاديين.

الإعلان الأخير للرئيس الأمريكي عن “نهاية وشيكة للصراع” قد يبدو محاولة لطمأنة الأسواق، لكنه لا يعكس الواقع الميداني المعقد. حتى أصغر تحرك عسكري أو سياسي يمكن أن يفتح أزمة عالمية تؤثر على أسعار النفط، الأسواق المالية، والاستقرار الاجتماعي في عدة دول في آن واحد.

هنا يتجلى الدرس الأساسي: مضيق هرمز ليس مجرد ممر للنفط، بل اختبار حقيقي لهشاشة النظام العالمي في إدارة الموارد الحيوية والأزمات. كل تهديد، كل صاروخ، وكل تحذير سياسي هو مؤشر على أن العالم أكثر هشاشة وتعقيدًا من أي وقت مضى.

ختامًا، مضيق هرمز يشبه مثلث برمودا للطاقة العالمية. ليس مجرد مكان على الخريطة، بل رمز للصراع، للنفوذ، ولتأثير الجغرافيا على الاقتصاد والسياسة. التحذيرات التي كتبها يرجين منذ عقد ونصف لم تكن مبالغة، بل انعكاسًا لواقع قد يغير حياة ملايين البشر ويعيد رسم خريطة القوة العالمية بطريقة لا يمكن تجاهلها.

"
د. زياد فارس الحارثي قبل خمسة عشر عامًا، نشر يرجين كتابه “السعي: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، محذرًا من أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي. اليوم، تبدو تحذيراته أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة لم تنتج حربًا تقليدية، لكنها أثرت بالفعل على إمدادات النفط وحياة
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة