
د. خالد نبيل الهاشمي
لم يعد العالم يتحرك داخل نظام دولي مستقر بالمعنى التقليدي، بل في مساحة رمادية تتداخل فيها الأزمات العسكرية والضغوط الاقتصادية والمواجهات غير المباشرة. حالة لا هي حرب شاملة ولا هي سلام مستقر، بل أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ”الاضطراب المنظم”.
في 28 فبراير الماضي، اندلع تصعيد عسكري غير مسبوق بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، واستمر لأكثر من شهر. وخلال هذه الفترة، شهدت المنطقة تبادلًا للضربات واتساعًا في نطاق المواجهة، مع انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على محيط الخليج وأمن الطاقة والممرات الحيوية.
ما يلفت في هذه المرحلة ليس فقط حجم التصعيد، بل طبيعة إدارته. إذ لم تعد المواجهات تُخاض بمنطق الحرب الشاملة، بل عبر ضربات محسوبة وردود فعل مضبوطة، تمنع الانفجار الكامل، لكنها في الوقت نفسه لا تعيد إنتاج الاستقرار.
في هذا السياق، يبرز الخليج العربي بوصفه منطقة بالغة الحساسية. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر جغرافي، بل أصبح نقطة ضغط استراتيجية في قلب الاقتصاد العالمي. وأي تهديد له ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد.
هذا التحول يكشف عن تغير أعمق في بنية النظام الدولي. فالقوة لم تعد تُقاس بالحروب المباشرة وحدها، بل بمدى القدرة على التحكم في نقاط الاختناق الاستراتيجية: الممرات البحرية، وبنى الطاقة التحتية، وشبكات التجارة العالمية.
وبذلك، لم يعد الشرق الأوسط ساحة صراع منفصلة عن النظام الدولي، بل جزءًا من بنيته الداخلية. فأي اضطراب فيه لا يبقى محليًا، بل يمتد سريعًا إلى الاقتصاد العالمي والأسواق الدولية، بما يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة الإقليمية.
لكن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق بوصف ما حدث، بل باتجاهه المستقبلي: هل ما نشهده يمثل مرحلة انتقالية نحو نظام دولي جديد لم تتضح ملامحه بعد؟ أم أننا أمام نمط طويل من إدارة الأزمات بدل تسويتها، بحيث يصبح التوتر حالة دائمة والاستقرار استثناءً نادرًا؟
المؤشرات المتاحة لا تقدم إجابة حاسمة حتى الآن، لكن ما يبدو واضحًا هو أن مفهوم القوة نفسه يتغير؛ من الحروب الشاملة إلى الصراعات المحدودة، ومن السيطرة المباشرة إلى إدارة النفوذ عبر الاقتصاد والممرات الاستراتيجية.
إذا استمر هذا المسار، فإن “الاضطراب المنظم” قد لا يكون حالة عابرة، بل نمطًا متدرجًا في العلاقات الدولية، يقوم على توازن هش، لا يحقق انتصارًا كاملًا لأي طرف، ولا يسمح بهزيمة حاسمة لأي طرف آخر.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتجه العالم نحو نظام أكثر استقرارًا بصيغة جديدة؟ أم نحو مرحلة طويلة يكون فيها عدم الاستقرار هو القاعدة، لا الاستثناء؟


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *