
د. سامر الكيلاني – كاتب وباحث في العلاقات الدولية
تصاعد متسارع في وتيرة المواجهة بين إيران وإسرائيل يضع المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث يتآكل الردع التقليدي وتتزايد احتمالات الانزلاق إلى صراع أوسع يعيد تشكيل موازين القوى.
لم يعد التصعيد بين إيران وإسرائيل مجرد جولات متقطعة من الرسائل العسكرية المحسوبة، بل بات أقرب إلى مسار تصادمي مفتوح على احتمالات يصعب احتواؤها. فالمشهد الإقليمي يتحرك اليوم على إيقاع متسارع، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع رهانات النفوذ، وتتشابك فيه الجبهات بطريقة تجعل من أي خطأ تكتيكي شرارة لانفجار أوسع.
على مدى سنوات، اعتمد الطرفان استراتيجية يمكن وصفها بـ”الحرب دون حرب”، حيث تُدار المواجهة عبر الوكلاء أو من خلال ضربات دقيقة ومدروسة لا تستدعي ردًا شاملًا. غير أن هذا التوازن الهش بدأ يتآكل تدريجيًا. فتكثيف الضربات، واتساع نطاقها الجغرافي، وتزايد حدة الخطاب السياسي، كلها مؤشرات على انتقال الصراع من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة اختبار الإرادات.
ترى إسرائيل في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا لا يمكن التهاون معه، وتسعى إلى تعطيله بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك العمليات العسكرية المباشرة أو غير المعلنة. في المقابل، تنظر إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي بوصفه خط دفاع متقدم، وتعتبر أن الردع الفعلي يتحقق من خلال شبكة من الحلفاء القادرين على فتح جبهات متعددة في حال تعرضها لهجوم.
هذه المعادلة تخلق حالة من التوتر المستمر: فكل طرف يسعى لتفادي الحرب الشاملة، لكنه في الوقت نفسه يرفع منسوب المخاطرة لتحقيق مكاسب استراتيجية. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، إذ لم يعد التوازن مستقرًا بما يكفي لضبط إيقاع التصعيد أو احتوائه.
لم يعد الصراع محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، بل امتد ليشمل ساحات متعددة في المنطقة. فالتوترات في سوريا ولبنان والعراق باتت جزءًا من معادلة الاشتباك، كما أن تداعيات التصعيد انعكست على أمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
هذا الاتساع في رقعة التوتر يعني أن أي مواجهة مباشرة لن تبقى ثنائية بين إيران وإسرائيل، بل ستتحول سريعًا إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف، تتداخل فيه حسابات قوى دولية وإقليمية، ما يزيد من تعقيد المشهد ويصعّب احتواءه.
تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تلتزم بأمن إسرائيل وتؤكد دعمها لها، ومن جهة أخرى تسعى لتجنب الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل أولويات دولية أخرى.
لكن استمرار التصعيد واتساع نطاقه قد يفرضان على واشنطن خيارات لم تكن ترغب فيها، خصوصًا إذا تعرضت مصالحها أو قواتها في المنطقة لتهديد مباشر، ما قد يدفعها إلى الانخراط في الصراع بشكل أو بآخر.
في المقابل، تجد الدول العربية نفسها في موقع بالغ الحساسية، فهي الأكثر تأثرًا بأي تصعيد إقليمي، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية. لذلك تميل إلى تبني سياسات متوازنة تحاول من خلالها تجنب الانخراط المباشر في الصراع، مع الحفاظ على القدرة على حماية مصالحها الحيوية.
غير أن هامش المناورة أمام هذه الدول قد يضيق مع تصاعد التوتر، خاصة إذا تحولت المواجهة إلى صراع مفتوح يصعب البقاء على الحياد فيه.
يبقى السؤال الأهم: هل يقترب الشرق الأوسط فعلًا من “نقطة اللاعودة”؟ الإجابة ليست حاسمة. فالتاريخ القريب للمنطقة يظهر أن العديد من لحظات التصعيد بدت وكأنها تقود إلى حرب شاملة، قبل أن يتم احتواؤها في اللحظات الأخيرة.
إلا أن ما يميز المرحلة الحالية هو تراجع فعالية أدوات الاحتواء التقليدية. فالقنوات الدبلوماسية لم تعد بالفعالية ذاتها، والثقة بين الأطراف تكاد تكون معدومة، فيما تبدو البيئة الإقليمية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
هذا الواقع يرفع من احتمالات الخطأ في الحسابات، ويجعل من أي تصعيد غير محسوب نقطة تحول قد تخرج عن السيطرة بسرعة.
في المحصلة، لا تبدو الحرب الشاملة خيارًا مفضلًا لأي من الأطراف، لكنها لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق. وبين الرغبة في الحفاظ على الردع والخشية من الانفجار، يتحرك الشرق الأوسط على حافة دقيقة.
أي تطور غير محسوب قد يكون كفيلًا بإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وربما تغيير ملامحها السياسية والأمنية لسنوات طويلة قادمة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الأطراف في تجنب الانفجار، أم أن المنطقة تتجه بالفعل نحو لحظة فاصلة يصعب التراجع عنها؟
- كاتب وباحث في العلاقات الدولية، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والتحولات الجيوسياسية.


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *