
في قلب غزة، حيث يتداخل الرماد مع بقايا الحياة، لا يبحث الفنان الفلسطيني أحمد مهنا (41 عاماً) عن ألوان جديدة بقدر ما يبحث عن معنى جديد للنجاة. بين الدمار وأصوات القصف، وجد مهنا في الفحم بديلاً عن الألوان، وفي كراتين المساعدات الإنسانية مساحة أخرى للرسم، ولتوثيق ما لا يمكن أن يُقال بالكلمات.
لم يكن اختياره للرسم على طرود الإغاثة مجرد صدفة، بل تحوّل مع الوقت إلى مشروع بصري يحمل ذاكرة مدينة تحت الحصار. تحولت صناديق كانت مخصصة لحمل الطعام إلى لوحات تنبض بالحياة والموت معاً، قبل أن تُهرّب لاحقاً لتجوب معارض في أوروبا ضمن جولتين فنيتين، بحسب تقرير نشرته بي بي سي.
يستعيد مهنا بدايات التجربة حين فقد أدواته الفنية داخل منزله في دير البلح، مع تصاعد الحرب بعد أكتوبر 2023. في تلك اللحظة، لم يكن أمامه سوى “كرتونة مساعدات” فارغة، حملت عبارة بسيطة لكنها حاسمة: “ليس للبيع أو للبدل”.
تلك الجملة تحولت إلى شرارة فكرة، ليست فنية فقط، بل وجودية أيضاً؛ فكرة تقول إن الإنسان والقضية لا يُقاسان بالقيمة المادية، تماماً كما لا يمكن تحويل الألم إلى سلعة.
من هنا بدأت أولى لوحاته: طفلة تحمل قارورة ماء ثقيلة، مرسومة على صندوق مساعدات تابع لبرنامج الأغذية العالمي. ومن تلك اللحظة، لم يعد الرسم بالنسبة له فعلاً جمالياً، بل وسيلة للبقاء النفسي وسط القصف والخوف والانقطاع.
مع مرور الوقت، توسعت التجربة بدعم من مؤسسات إنسانية، وتمكنت لوحاته من مغادرة غزة، لتصل إلى مدن أوروبية ضمن معرض حمل اسم “قصص الأمل”، حيث عُرضت عشرات الأعمال التي توثق تفاصيل الحياة اليومية في القطاع: الجوع، النزوح، الانتظار، والأحلام المؤجلة.
لكن خلف كل لوحة، هناك سؤال يتكرر بصوت خافت لكنه نافذ: “أنا أراك، هل تراني؟”
ليس سؤالاً عابراً في أحد الأعمال، بل عنوان لوعي بصري كامل يحاول أن يعيد الإنسان إلى مركز الصورة، لا كرقم في خبر، بل كحكاية كاملة.
في إحدى أبرز لوحاته، يرسم مهنا وجهين لا يظهر منهما سوى العينين، وكأن الباقي اختفى تحت ثقل الواقع. عينان تتحولان إلى شهادة، إلى مساءلة، وإلى محاولة أخيرة للتماسك وسط الفوضى.
تتداخل في أعماله رموز الحرب والإغاثة في آن واحد؛ شعارات المساعدات، صناديق الإغاثة، الأطفال، الطحين، الماء، والخيام، كلها تتحول إلى عناصر في لوحة واحدة، لا تفصل بين الألم والنجاة.
ولا تقف القصة عند الفنان وحده، إذ يشارك أطفاله أحياناً في هذه التجربة، حيث يضيفون كلماتهم ورسوماتهم على اللوحات، لتصبح الأعمال مساحة مشتركة بين جيلين، أحدهما يعيش الحرب والآخر يحاول فهمها.
يقول مهنا إن الفن في غزة لم يعد ترفاً، بل ضرورة، وإن كل لوحة تُرسم هناك هي محاولة لتثبيت لحظة من حياة مهددة بالاختفاء. وبينما تتناثر لوحاته في معارض بعيدة، تبقى جذورها في كرتون المساعدات الذي خرج منه كل شيء.
وفي النهاية، لا تقدم أعماله إجابة جاهزة، بل تترك سؤالاً مفتوحاً أمام العالم: هل يمكن للوحة مرسومة على صندوق مساعدات أن تعيد تعريف معنى الإنسان في زمن الحرب؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *