
محمد فال معاوية
نجحت إيران في النجاة من الحرب، لكن مستقبلها لن يُحسم على الجبهات التي صمتت مدافعها، بل في الشوارع والأسواق والبيوت التي تنتظر اليوم ثمناً ملموساً لكل ما دُفع من أثمان. فالحروب تمنح الأنظمة السياسية فرصة لتأجيل الأسئلة الصعبة تحت وطأة الخطر الخارجي، أما السلام فيعيد تلك الأسئلة دفعة واحدة، مجردة من كل الذرائع.
لهذا لا يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه الجمهورية الإسلامية اليوم متعلقاً بترتيبات إنهاء الحرب أو مآلات التفاوض مع الولايات المتحدة، بقدر ما يتعلق بإدارة مرحلة ما بعدها. فالدولة التي نجحت في الصمود أمام الضغوط العسكرية تجد نفسها أمام اختبار مختلف تماماً: هل تستطيع إقناع مجتمع متعب بأن سنوات التضحيات لم تذهب سدى؟
خلال الأشهر الماضية فرضت الحرب أولوياتها على الجميع. انشغل الإيرانيون بالأمن والخوف من اتساع المواجهة، وتراجعت مؤقتاً قضايا الاقتصاد والمعيشة إلى الخلف. لكن هذه الهدنة النفسية لا يمكن أن تستمر طويلاً. فبمجرد انقشاع غبار المعركة سيعود المواطن الإيراني إلى أسئلته الأساسية: ماذا عن الأسعار؟ وماذا عن الوظائف؟ وماذا عن العملة التي فقدت جانباً كبيراً من قيمتها؟ وماذا عن المستقبل الذي يبدو أكثر غموضاً من أي وقت مضى؟
هنا يبدأ الخطر الحقيقي.
فالاقتصاد الإيراني لم يكن في وضع مريح قبل الحرب. سنوات العقوبات والتضخم وتراجع الاستثمارات أرهقت المجتمع وأضعفت قدرته على التحمل. ثم جاءت الحرب لتضيف أعباء جديدة على البنية التحتية والإنتاج والمالية العامة. لذلك فإن أي حديث عن مكاسب سياسية أو عسكرية سيظل ناقصاً ما لم ينعكس على حياة الناس بصورة مباشرة.
وإذا كانت طهران تأمل الاستفادة من أي تخفيف للعقوبات أو الإفراج عن أصول مالية مجمدة، فإنها ستواجه معضلة معقدة. فالمجتمع ينتظر أن تُوظف هذه الموارد لتحسين الأوضاع المعيشية وتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل، بينما ترى قوى نافذة داخل النظام أن الحرب أثبتت الحاجة إلى تعزيز القدرات العسكرية والأمنية وإعادة بناء أدوات الردع.
وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف حول أولويات الإنفاق، بل يتحول إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها. فهل ستواصل إيران الاعتماد على خطاب الصمود والمواجهة بوصفه أساساً لشرعيتها السياسية؟ أم أنها ستجد نفسها مضطرة إلى بناء شرعية جديدة ترتكز على تحسين مستوى الحياة والاستجابة لتطلعات المجتمع؟
في جوهر الأزمة لا تبدو المشكلة مشكلة موارد بقدر ما هي مشكلة توقعات. فالشعوب تستطيع تحمل المشقة عندما تؤمن بأن هناك هدفاً واضحاً في نهايتها، لكنها تصبح أكثر غضباً عندما تشعر أن التضحيات لا تفضي إلى نتائج ملموسة. ومن هنا تكتسب مرحلة ما بعد الحرب حساسيتها الاستثنائية.
لقد كشفت الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال السنوات الماضية أن الأزمة أعمق من مجرد ضائقة اقتصادية عابرة. فثمة فجوة متنامية بين الدولة والمجتمع، وبين أولويات السلطة وتطلعات الأجيال الجديدة. وهذه الفجوة لم تختف خلال الحرب، بل تراجعت مؤقتاً تحت ضغط الأحداث. أما اليوم فهي مرشحة للعودة إلى الواجهة بقوة أكبر إذا لم تترافق أي تسوية سياسية أو انفراجة مالية مع تحسن حقيقي في حياة المواطنين.
وفي المقابل، خرجت المؤسسات الأمنية والعسكرية من الحرب أكثر نفوذاً وثقة. فالصراع عزز حضورها في المشهد السياسي ورسّخ قناعة لدى قطاعات من النخبة الحاكمة بأن الأمن والردع يظلان الضمانة الأساسية لاستمرار النظام. غير أن الاستقرار لا يُبنى بالقوة وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى حد أدنى من الرضا الاجتماعي والقدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للناس.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه طهران ليس كيف ربحت الحرب أو كيف ستنهيها، بل كيف ستدير السلام الذي يليها. فالتاريخ مليء بأنظمة نجحت في تجاوز الحروب، لكنها تعثرت في إدارة ما بعدها. وما يجعل الحالة الإيرانية أكثر تعقيداً أن الحرب لم تُنهِ الأزمات المتراكمة، بل أجلت انفجارها.
إيران اليوم تقف عند مفترق طرق. وإذا كانت قد نجحت في عبور اختبار المواجهة الخارجية، فإن الاختبار الأصعب قد يكون ذلك الذي يبدأ داخل حدودها. فالحروب تُقاس بنتائج المعارك، أما السلام فيُقاس بقدرة الدولة على الوفاء بوعودها لمواطنيها.
وعندما تتوقف المدافع عن الكلام، يبدأ الناس بالكلام. وعندها فقط يتضح ما إذا كانت الدول قد انتصرت فعلاً، أم أنها أجّلت مواجهة أزماتها إلى موعد آخر.
- كاتب وصحفي موريتاني


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *