
محمد فال معاوية
ليست السياسة الخارجية الأمريكية مؤسسةً لتوزيع الشرعية، ولا هي مشروعًا لنشر الديمقراطية بقدر ما هي إدارة دقيقة للمصالح. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بصدام حفتر في واشنطن، بعيدًا عن الانفعالات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا.
فالخطأ الذي يتكرر مع كل لقاء يجمع مسؤولًا أمريكيًا بشخصية عربية هو الاعتقاد بأن واشنطن حسمت خيارها أو منحت ضيفها صكًّا سياسيًا. بينما تكشف التجربة أن الولايات المتحدة لا تستثمر في الأشخاص بقدر ما تستثمر في موازين القوى، ولا تصنع الزعامات بقدر ما تدير التوازنات التي تحمي مصالحها.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى لقاء صدام حفتر باعتباره مجرد محطة بروتوكولية.
فالرجل لم يعد يُقدَّم في الأوساط الدولية بوصفه نجل المشير خليفة حفتر فحسب، بل أصبح فاعلًا سياسيًا وعسكريًا يتقدم تدريجيًا إلى واجهة المشهد الليبي، وتتعامل معه القوى المؤثرة باعتباره جزءًا من معادلة المستقبل، لا مجرد امتداد لوالده.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تدعم واشنطن صعود صدام حفتر؟
السؤال الأهم هو: لماذا يتزايد الاهتمام الأمريكي به الآن؟
الإجابة لا تتعلق بالرجل وحده، بل بالتحول الذي طرأ على المقاربة الأمريكية تجاه ليبيا. فبعد سنوات من التركيز على الانتخابات والانتقال الديمقراطي، بات الخطاب الأمريكي يمنح الأولوية لتوحيد المؤسسات، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأمنية. والفرق بين المسارين كبير؛ فالأول ينطلق من شرعية صناديق الاقتراع، أما الثاني فيبدأ من موازين القوة القائمة على الأرض.
ولا يبدو هذا التحول منفصلًا عن البيئة الإقليمية والدولية. فمنذ الحرب في غزة، واحتدام التنافس مع روسيا في أفريقيا، واتساع الحضور الصيني في القارة، لم تعد ليبيا بالنسبة إلى واشنطن مجرد ملف مؤجل من ملفات الربيع العربي، بل أصبحت نقطة ارتكاز في معادلة المتوسط والساحل الأفريقي، بما تختزنه من أهمية في ملفات الطاقة، والهجرة، والأمن الإقليمي.
وفي مثل هذه البيئات، تميل القوى الكبرى إلى البحث عن شركاء قادرين على حفظ الاستقرار أكثر من بحثها عن نماذج مثالية للحكم.
ومن هنا، يمكن فهم الانفتاح الأمريكي على شخصيات تمتلك نفوذًا فعليًا على الأرض، بصرف النظر عن الجدل الذي يحيط بها.
غير أن هذه المقاربة تحمل مفارقة واضحة.
فكلما ازداد الاعتماد على الفاعلين العسكريين لضمان الاستقرار، تراجعت فرص بناء دولة مدنية تحتكر السلاح والقرار. وهذه هي المعضلة التي لازمت ليبيا منذ عام 2011؛ إذ تعاقبت الحكومات والمبادرات الدولية، بينما بقيت مؤسسات الدولة رهينة الانقسام، وظلت مراكز النفوذ أقوى من مؤسسات الحكم.
وفي هذا السياق، تبدو المبادرة الأمريكية المتداولة أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى منها إلى إعادة تأسيس النظام السياسي. فالتسريبات التي تحدثت عن توزيع جديد للمناصب بين الشرق والغرب، رغم أنها لم تؤكد رسميًا، تعكس منطقًا يقوم على إدارة الواقع القائم أكثر من تغييره.
وليس في لقاء ماركو روبيو وصدام حفتر ما يكفي للقول إن واشنطن اختارت رئيس ليبيا المقبل، لكنه يكفي للقول إن صدام حفتر أصبح جزءًا من الحسابات الأمريكية، بعدما كان، حتى وقت قريب، جزءًا من الحسابات المحلية والإقليمية.
وهنا تكمن دلالة اللقاء.
فالولايات المتحدة لا تبدو منشغلة بإنتاج قيادة ليبية جديدة، بقدر انشغالها بصياغة معادلة أكثر استقرارًا، ولو كانت مؤقتة. وهي معادلة قد تمنح بعض الفاعلين أدوارًا أكبر، لكنها لا تعني بالضرورة أنهم أصبحوا الخيار الأمريكي النهائي.
ففي السياسة الأمريكية لا توجد رهانات دائمة على الأشخاص، وإنما رهانات متغيرة على المصالح.
أما ليبيا، فما تزال تواجه سؤالًا يتجاوز أسماء الحكام وترتيبات السلطة. فالدول لا تُبنى حين تتفق العواصم الكبرى على تقاسم النفوذ، وإنما حين يتفق أبناؤها على قواعد الحكم، وتنبثق الشرعية من الداخل لا من خرائط التفاهمات الخارجية.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم: هل تراهن واشنطن على صدام حفتر؟ بل: هل يستطيع الليبيون استعادة دولتهم قبل أن تستعيد القوى الدولية رسم خرائط نفوذها فوق الأرض الليبية؟
- كاتب وصحفي وإعلامي.


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *