الرئيسية/آراء/حين تُقاس الكرامة بالأرقام
آراء

حين تُقاس الكرامة بالأرقام

حين يفقد الإنسان عمله هل يفقد قيمته؟
📸حين يفقد الإنسان عمله هل يفقد قيمته؟
اليوم ميديا

محمد فال معاوية

في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها.

لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا داخل معادلة السوق.

هذا التحول لا يحدث فجأة، بل يتسلل بهدوء، حتى يصبح المال لغة غير معلنة تُقاس بها الكرامة، ويُعاد عبرها تشكيل مفهوم القيمة الإنسانية خارج سياقها الأخلاقي.

في خضم هذا التحول، لم يعد التعثر مرحلة عابرة من الحياة، بل صار يُفسَّر كقصور فردي، حتى لو كانت أسبابه خارج الإرادة. وكأن الحياة مطالبة بالاستقامة الدائمة، بينما هي في جوهرها سلسلة من الانقطاعات والتجارب غير المكتملة.

يكفي أن يتوقف راتب موظف لأسابيع، حتى تتغير نبرة السؤال من “كيف حالك؟” إلى “ماذا حدث؟”. وفي تلك اللحظة لا يتغير الوضع المادي فقط، بل تتغير—بشكل غير معلن—درجة الحضور الاجتماعي في أعين الآخرين. كأن القيمة الإنسانية نفسها أصبحت مرتبطة بإيقاع الدخل لا بثبات الإنسان.

لقد تمدد منطق السوق خارج حدوده الاقتصادية، وتسلل إلى نظرة الناس بعضهم إلى بعض. فأصبح الإنسان يُقاس بوظيفته قبل فكره، وبراتبه قبل قيمه، وبقدرته على الإنتاج قبل حضوره الإنساني. ومع هذا التمدد، تراجع معنى الإنسان لصالح معنى المنفعة.

والأخطر أن هذا التحول لم يغيّر طريقة تقييم النجاح فقط، بل غيّر طريقة فهم الفشل أيضًا. فالفقر لم يعد يُرى كحالة إنسانية مركبة، بل كعلامة موضع شك. والعاطل عن العمل يُطالب بإثبات أنه لم يقصّر. والمحتاج يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن كرامته قبل أن يطلب حقه في العون.

غير أن الإنسان لا يُختزل في نتيجة. خلف كل سيرة بشرية، هناك طبقات لا تُرى: صبر طويل، محاولات متكررة، خسارات صامتة، ومسارات لم تكتمل. لكن حين يعتاد المجتمع النظر إلى النتائج فقط، يفقد القدرة على قراءة الطريق الذي قاد إليها.

وهنا يظهر الفرق بين مجتمع يقرأ الإنسان ومجتمع يحاكمه. الأول يدرك أن الظاهر ليس القصة الكاملة، بينما الثاني يختزل الإنسان في لحظة واحدة ثم يحولها إلى حكم دائم.

وفي التراث الإنساني والديني، تُطرح الفكرة ذاتها بصيغة أوسع، إذ تُعد كرامة الإنسان أصلًا سابقًا على كل اعتبار، كما في قوله تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾. فهي كرامة لا تُكتسب ولا تُسلب، بل تُفهم كحقيقة وجودية ثابتة.

وقد واجهت الفلسفة الأخلاقية هذا الاختزال منذ زمن بعيد. إذ يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن الإنسان لا يجوز أن يُعامل كوسيلة، بل كغاية في ذاته؛ أي أن قيمته لا تستمد من نفعه، بل من كونه كائنًا حرًا عاقلًا يمتلك كرامة غير قابلة للقياس أو الاختزال.

وحين نقارن هذا التصور بالواقع المعاصر، ندرك أن الأزمة ليست في الفقر ذاته، بل في الطريقة التي يُعاد بها تعريف الإنسان عبره. فحين يصبح المال معيارًا وحيدًا للاعتراف، يتراجع الإنسان لصالح الأرقام، وتتحول العلاقات إلى منطق منفعة بارد.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يسلب الإنسان ماله فقط، بل يسلبه شعوره بقيمته. وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الأزمة الأخلاقية: حين يُقاس الإنسان بما يملك، لا بما هو عليه.

إن المجتمعات لا تُقاس بثرائها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين يضعف. ففي لحظات القوة يسهل الاحترام، لكن في لحظات العجز تتكشف الحقيقة الأخلاقية. هناك فقط يتبين إن كنا نرى الإنسان كقيمة، أم كرقم.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زلنا نرى الإنسان بوصفه قيمة قائمة بذاتها، أم أننا جعلناه، دون أن نشعر، مجرد رقم في ميزان السوق؟

  • صحفي وكاتب مهتم بقضايا الفكر والمجتمع

"
محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا
— اليوم ميديا / آراء

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
مسجد قرطبة (أرشيفية)

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ

تركي الدخيل
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة